ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إلى قوله تعالى : وأولئك هم المهتدون . رُوي عن عطاء والربيع وأنس بن مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة.
قال أبو بكر : جائزٌ والله أعلم أن يكون قدّم إليهم ذكر ما علم أنه يصيبهم في الله من هذه البلايا والشدائد لمعنيين، أحدهما : ليوطنوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت ؛ فيكون ذلك أبعد من الجزع وأسهل عليهم بعد الورود. والثاني : ما يتعجلون به من ثواب توطين النفس.
ومن المصائب والشدائد المذكورة في الآية ما هو من فعل المشركين بهم، ومنها ما هو من فعل الله تعالى، فأما ما كان من فعل المشركين فهو أن العرب كلها كانت قد اجتمعت على عداوة النبي صلى الله عليه وسلم غير من كان بالمدينة من المهاجرين والأنصار، وكان خوفهم من قِبَلِ هؤلاء لقلة المسلمين وكثرتهم. وأما الجوع فلقلة ذات اليد والفقر الذي نالهم. وجائز أن يكون الفقر تارةً من الله تعالى بأن يفقرهم بتلف أموالهم، وجائز أن يكون من قِبَلِ العدو بأن يغلبوا عليه فيتلف. ونقص من الأموال والأنفس والثمرات يحتمل الوجهين جميعاً ؛ لأن النقص من الأموال جائز أن يكون سببه العدو. وكذلك الثمرات لشغلهم إياهم بقتالهم عن عمارة أراضيهم، وجائز أن يكون من فعل الله تعالى بالجوائح التي تصيب الأموال والثمار. ونقص الأنفس جائز أن يكون المراد به من يُقتل منهم في الحرب، وأن يريد به من يميته الله منهم من غير قتل.
قوله تعالى : وبشر الصابرين يعني والله أعلم على ما قدم ذكره من الشدائد.
فأما الصبرُ على ما كان من فعل الله، فهو التسليم والرضا بما فعله ؛ والعلم بأنه لا يفعل إلا الصلاح والحسن وما هو خير لهم، وأنه ما منعهم إلا ليعطيهم، وأن منعه إياهم إعطاءٌ منه لهم. وأما ما كان من فِعْلِ العدوّ فإن المراد به الصبر على جهادهم وعلى الثبات على دين الله تعالى ولا يَنْكُلونَ عن الحرب ولا يزولون عن طاعة الله بما يصيبهم من ذلك. ولا يجوز أن يريد بالابتلاء ما كان منهم من فعل المشركين، لأن الله تعالى لا يبتلي أحداً بالظلم والكفر ولا يريده ولا يوجب الرضا به، ولو كان الله تعالى يبتلي بالظلم والكفر لَوَجَبَ الرِضا به كما رضيه بزعمهم حين فعله والله يتعالى عن ذلك.


قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون إلى قوله تعالى : وأولئك هم المهتدون . رُوي عن عطاء والربيع وأنس بن مالك أن المراد بهذه المخاطبة أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم بعد الهجرة.

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

الجصاص

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير