ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ) ( البقرة : ١٥٥ )
التفسير :
قوله تعالى : ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع... هذه مصائب خمس ؛ والجملة هنا مؤكدة بثلاثة مؤكدات : القسم، واللام، والنون ؛ والتقدير : واللَّهِ لنبلونكم ؛ والفعل هنا مع نون التوكيد مبني على الفتح ؛ و «نبلو » بمعنى نختبر.
وقوله تعالى : بشيء : التنكير هنا للتقليل ؛ ويحتمل أن يكون للتكثير.
وقوله تعالى : من الخوف أي الذُّعْر ؛ وهو شامل للخوف العام، والخوف الخاص ؛ الخوف العام : كأن تكون البلاد مهددة بعدو ؛ والخوف الخاص : كأن يكون الإنسان يبتلى بنفسه بمن يخيفه ويروعه.
وقوله تعالى : والجوع : هو خلو البطن من الطعام مع شدة اشتهائه ؛ وهو ضد «الشِّبع » ؛ وله أسباب ؛ السبب الأول : قلة الطعام ؛ و السبب الثاني : قلة المال الذي يحصل به الطعام ؛ والسبب الثالث : أن يصاب الإنسان بمرض يمنعه من الطعام إما لقلة الشهية ؛ وإما للعجز عن استساغه لسدَدٍ في الحلق، أو قروح في المعدة، أو غير ذلك ؛ والجوع لا يدرك أثره إلا من جربه ؛ بل كل المصائب لا يدرك أثرها إلا من جربها ؛ أما من لم يجرب فإنه لا يشعر بآثار المصائب ؛ ولهذا قيل : وبضدها تتبين الأشياء.
قوله تعالى : ونقص من الأموال ؛ الأموال جمع «مال » ؛ وهو كل ما يتموله الإنسان من نقود، ومتاع، وحيوان.
قوله تعالى : والأنفس جمع «نفس » ؛ والمراد : الأرواح، كالأمراض الفتاكة التي تهلك بها أمم، مثل الطاعون، وغيره.
قوله تعالى : والثمرات جمع «ثمرة » ؛ وهي ما ينتج من أشجار النخيل، والأعناب، وغيرهما، بأن تأتي كوارث تنقص بها هذه الثمار، أو تتلف.
قوله تعالى : وبشر الصابرين أي أخبرهم بما يسرهم ؛ وسبق معنى الصبر، وأقسامه١.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الفوائد :
١ــــ من فوائد الآيتين : ابتلاء العباد بما ذكر الله من الخوف، والجوع، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات، وهو لمن وقع به ظاهر ؛ ولغيرهم يكون الابتلاء بالاعتبار، والخوف أن يقع بهم مثل ما وقع بالذين ابتلوا.
٢ــــ ومنها : أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين : صابر، وساخط ؛ وقد جاء في الحديث :«من رضي فله الرضا ؛ ومن سخط فله السخط»١ ؛ فالصبر على المصائب واجب ؛ وقد ذكر العلماء أن للإنسان عند المصيبة أربعة مقامات :
المقام الأول : الصبر ــــ وهو واجب.
المقام الثاني : الرضا ــــ وهو سنة على القول الراجح ؛ والفرق بينه، والصبر، أن الصابر يتجرع مرارة الصبر، ويشق عليه ما وقع ؛ ولكنه يحبس نفسه عن السخط ؛ وأما الراضي : فإن المصيبة باردة على قلبه لم يتجرع مرارة الصبر عليه ؛ فهو أكمل حالاً من الصابر.
المقام الثالث : الشكر : بأن يشكر الله على المصيبة.
فإن قيل : كيف يشكره على المصيبة ؟

فالجواب : أن ذلك من وجوه :

منها : أن ينسبها إلى ما هو أعظم منها ؛ فينسب مصيبة الدنيا إلى مصيبة الدين ؛ فتكون أهون ؛ فيشكر الله أن لم يجعل المصيبة في الأشد.
ومنها : احتساب الأجر على المصيبة بأنه كلما عظم المصاب كثر الثواب ؛ ولهذا ذكروا عن بعض العابدات أنها أصيبت بمصيبة، ولم يظهر عليها أثر الجزع ؛ فقيل لها في ذلك، فقالت : إن حلاوة أجرها أنستني مرارة صبرها.
المقام الرابع : السخط - وهو محرم - بل من كبائر الذنوب ؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم :«ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية»٢.

٣-
ومن فوائد الآيتين : البشرى للصابرين.

٤-
ومنها : أن من سمة الصابرين تفويض أمرهم إلى الله بقلوبهم، وألسنتهم إذا أصابتهم المصائب ؛ لقوله تعالى : وبشر الصابرين * الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون .

٥-
ومنها : مشروعية هذا القول ؛ وقد جاءت السنة بزيادة :«اللهم أْجُرني في مصيبتي» - أي أثبني عليها - «وأخلف لي» بقطع الهمزة - أي اجعل لي خلفاً «خيراً منها»٣ والدليل على هذا قصة أم سلمة رضي الله عنها : كانت تحب زوجها ابن عمها أبا سلمة محبة شديدة ؛ ولما مات - وكان النبي صلى الله عليه وسلم قد حدثها بهذا الحديث - قالت :«اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها» ؛ فكانت تفكر في نفسها، وتقول : من يصير خيراً من أبي سلمة ! ! !وهي مؤمنة في نفسها أن ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم حق ؛ لكن لا تدري من هو ؛ وما كان يجول في فكرها أن الرسول صلى الله عليه وسلم سيكون هو الخلف ؛ فأخلف الله لها خيراً من زوجها ؛ فإذا قالها الإنسان مؤمناً محتسباً أجرَه الله في مصيبته، وأخلف له خيراً منها.



١ ١/١٦١..

تفسير القرآن الكريم

عرض الكتاب
المؤلف

محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير