ﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬ

ثم قال الحق جلّ جلاله : ولنختبركم يا معشر المسلمين بشيء قليل من الخوف لهيجان العدو وصولة الكفار، والجوع لغلاء الأسعار وقلة الثمار، ونقص من الأموال بموت الحيوان وتعذر التجارة أو الخسران، والأنفس بالموت في الجهاد، والثمرات بذهابها بالجوائح.
وعن الشافعي رضي الله عنه :( الخوفُ خوفُ الله، والجوعُ صومُ رمضان، والنقصُ من الأموال بالزكوات والصدقات، ومن الأنفسُ بالأمراض، ومن الثمرات مَوتُ الأولاد ).
وعن النبيّ صلى الله عليه وسلم :" إذا ماتَ ولَدُ العبد قال اللّهَ للملائكةِ : أقَبَضْتُمْ ولَدَ عَبدي ؟ فيقولون : نَعَم. فيقولُ اللّهُ تعالى : أقبضتم ثمرة قلبه ؟ فيقولون : نعم. فيقول اللّهُ تعالى : ماذا قال ؟ فيقولون : حَمِدَك واستَرْجَع، فيقول الله تعالى : ابْنُوا لعَبْدِي بَيْتاً في الجَنَّةِ وسَمُّوه بَيْتَ الحمدِ ".
وبشر الصابرين يا من تتأتَّى منه البشارة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : يا أيها الذين آمنوا بطريق الخصوص استعينوا على سلوك طريق حضرتنا ومشاهدة أنوار قدسنا بالصبر على ما تكره النفوس ؛ من ترك الحظوظ والشهوات، والميل إلى العادات والمألوفات، وبالصلاة الدائمة، وهي صلاة القلوب بالعكوف في حضرة الغيوب. إن الله مع الصابرين بالمعونة والتأييد، وإشراق أنوار التوحيد، ولا تقولوا لمن ترونه قتل نفسه بالذل والافتقار، وخرق العوائد وخلع العذار : إنه قد مات، بل هو حي لا يموت، قال الله تعالى : لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى فإذا ماتت نفس المريد. واستوى عنده الذل والعز والمدح والذم، والغنى والفقر، والموت والحياة، فقد حييت روحه واتسع عليها فضاء الشهود، وتمتعت بالنظرة إلى الملك المعبود، فلا يزيدها الموت الحسيّ إلا اتصالاً وتمتعاً وشهوداً، فهي في الترقي أبداً سرمداً، ولكن لا تشعرون بما هم فيه في هذه الدار وفي تلك الدار.
ويقال لهم عند إرادة سلوكهم الطريق إلى عين التحقيق : والله لنبلونكم يا معشر المريدين بشيء من إذاية الخلق وتضييق الرزق، وذهاب الأموال، وضعف الأبدان بالمجاهدة، وتأخير الفتح بظهور ثمرة المشاهدة ؛ ليظهر الصادق في الطلب الثبوت في أحكام العبودية، حتى تشرق عليها أنوار الربوبية، ومن الكاذب بالرجوع إلى العوائد والشهوات، والركون إلى الرخص والتأويلات، وبشر الصابرين الثابتين في الطلب، بالظفر بكل ما أمَّلُوا، وبالوصول إلى ما إليه رحلوا، الذين إذا أصابتهم نكبة أو وقفة تحققوا بضعف العبودية، وتعلقوا بقوة الربوبية، فرجعوا إلى الله في كل شيء، فآواهم إليه من كل شيء، أولئك عليهم تَحنُّنٌ من ربهم وتقريب، وهم المهتدون إلى جوار الحبيب.
قال ابن جزي : فائدة : وَرَدَ ذكر الصبر في القرآن في أكثر من سبعين موضعاً ؛ وذلك لعظم موقعه في الدين، قال بعض العلماء : كل الحسنات لها أجر معلوم إلا الصبر، فإنه لا يحصر أجره ؛ لقوله تعالى : إِنَمَّا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [ الزمر : ١٠ ]. وذكر الله للصابرين ثمانياً من الكرامات.
أولها : المحبة، قال : وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ [ آل عِمرَان : ١٤٦ ]، والثاني : النصر، قال : إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ [ البَقَرَة : ١٥٣ ]، والثالث : غرفات الجنة، قال : يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُواْ [ الفرقان : ٧٥ ]، والرابع : الأجر الجزيل، قال : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ والأربعة الأخرى المذكورة في هذه الآية، فمنها البشارة قال : وبشر الصابرين ، والصلاة والرحمة والهداية قال : أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ .
والصبر على أربعة أوجه : صبر على البلاء، وهو منع النفس عن التسخط والهلع والجزع، وصبر على النعم، وهو تقييدها بالشكر وعدم الطغيان والتكبّر بها، وصبر على الطاعة بالمحافظة والدوام عليها، وصبر على المعاصي بكف النفس عنها. وفوق الصبر التسليم، وهو ترك الاعتراض والتسخط ظاهراً، وترك الكراهية باطناً، وفوق التسليم الرضا بالقضاء، وهو سرور النفس بفعل الله، وهو صادر عن المحبة، وكل ما يفعل المحبوب. هـ.


البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير