ثم أعلمنا الحق تعالى أن بعض من سبق عليه الشقاء لا يخرج عن هواه، ولا يجيب من دعاه، فقال :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَآ أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَآ أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَآءَنَآ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ
قلت : الضمير في لهم يعود على من يتخذ من دونه الله أنداداً ، أو على الناس ، من قوله : يا أيها الناس ، أو على اليهود المتقدمين قبلُ، وألفى : بمعنى وجد، يتعدّى إلى مفعولين، وهما هنا : آباءنا والجار والمجرور، أي : نتبع في الدين ما وجدنا آباءنا كائنين عليه.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وإذا قيل لهؤلاء المشركين من كفار العرب : اتبعوا ما أنزل الله على رسوله من التوحيد، وترك الأنداد له والأمثال، وتحريم الحرام وتحليل الحلال، قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا من عبادة الأصنام، وارتكاب المعاصي والآثام، قال الحق جلّ جلاله : أيتبعونهم تقليداً وعَمى، ولو كان آباؤهم جهلة لا يعقلون شيئاً من الدين، ولا يتفكرون في سبيل المهتدين ؟ ! وقال ابن عباس - رضي الله عنهما - : دعا النبيّ صلى الله عليه وسلم اليهودَ إلى الإسلام، ورغبهم فيه، فقال له رافع بن خارجة ومالك بن عوف : بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، فهم كانوا خيراً وأعلم منا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. ه.
الإشارة : وإذا قيل لمن أكَبَّ على دنياه، واتخذ إلهه هواه، فأشرك في محبة الله سواه : أقلعْ عن حظوظك وهواك، وأفرد الوجهة إلى مولاك، واتبع ما أنزل الله من وجوب مخالفة الهوى ومحبة المولى، قال : بل أتبع ما وجدتُ عليه الآباء والأجداد، وأكبَّ عليه جلُّ العباد، فيقال له : أتتبعهم في متابعة الهوى، ولو كانوا لا يعقلون شياً من طرق الهدى ؟ وقد قال - عليه الصلاة والسلام - :" لا يُؤْمِنُ أحَدُكُمْ حتى يَكُونَ هَواهُ تَبعاً لِمَا جِئتُ به١ ". ه.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي