٩٦- الاستثناء مفرغ للمفعول، لأن المجرور في معنى المفعول.
و " الفتنة " ها هنا المراد بها الكفر، أي : " قاتلوا لغرض ذهاب الكفر عن الأرض، ويفعل الله تعالى في ملكه ما يشاء. فإن أسلم الكفار أو أعطوا الجزية فلا عدوان بعد ذلك إلا على القوم الظالمين ".
وفيها ثلاثة أسئلة :
الأول : لم سمي الكفر فتنة ؟
الثاني : إذا انتهوا، ما بقي ظالم، فلم قال بعد ذلك : فلا عدوان إلا على الظالمين مع أن التقدير : لم يبق ظالم بالانتهاء ؟
الثالث : لم سمي قتالنا للظالمين عدوانا مع أنه مشروع، بل واجب ؟
الجواب عن الأول : إن أصل الفتنة في اللغة هو الاختيار، سمي فتنة، قال تعالى : ونبلوكم بالشر والخير فتنة ١.
فجعل جميع ما في العالم فتنة لأنه ما من شيء إلا لأحد فيه ميل أو نفور، فيحتاج أن يستعمل موجب الشرع في ميله أو نفوره، ويسلك في ذلك ما يصلحه في آخرته، فإن فعل ذلك نجا وإلا هلك.
فقد صار جميع الأشياء يحصل بها الاختبار والامتحان بالنسبة على جماعة في الوجود. فالكفر له عصبة وزخارف وأنصار ومعظمون وكذلك الإيمان، كما أن له أعداء وغوائل مردية. والبابان متقابلان : حزب الشيطان وحزب الرحمان. فربما مال الهوى إلى الكفر بسبب زخارفه، وربما غلب العقل فمال إلى الإيمان لحسن عواقبه وعاجل بهجته ومصالحه فصار فتنة.
وعن الثاني : أن هذا الضمير في قوله : فإن انتهوا ثم عاد على ما تقدم في قوله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ٢ ثم انتهت الضمائر إلى هذا الضمير، والذين يقاتلوننا هم بعض الكفار فأمكن أن يبقى بعدهم قوم آخرون موصوفون بالظلم نقاتلهم، وإن لم يقاتلونا، فإن الجهاد واجب فيمن قاتل ومن لم يقاتل، لأنه الذي استقر عليه آخر أمر القتال، ولو كان الضمير عاما تعين حمله على بعض أفراده جمعا بين أول الآية وآخرها.
وعن الثالث : أن تسميته عدوانا من باب إطلاق المسبب على السبب لأن سبب هذا القتال من عدوانهم بالكفر فسمي مسببه عدوانا مجازا كما قال تعالى : وجزاء سيئة سيئة مثلها ٣ فجعل الجزاء والقصاص سيئة، وقال تعالى : فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه... ٤. فسمى القصاص عدوانا مع أن هنالك في تلك الآية مجازات أخر ونوعا من التصرف لا تأتي ها هنا من جهة المقابلة، وإمكان الحمل على الحقيقة، لأن القصاص يسوء الجاني كما ساءت المجني عليه الجناية.
وكونه يمكن أن يكون من مجاز التشبيه لشبه الجناية بالقصاص في الصور، وها هنا لا يشبه الكفر القتال فافترق المواطنان. ( الاستغناء في الاستثناء : ١٦٠ ).
٩٧- الجهاد معتبر في أصل وجوبه، ويتجه أن يكون إزالة منكر الكفر فإنه أعظم المنكرات، ومن علم منكرا وقدر على إزالته عليه ازالته، ويدل على هذا قوله تعالى : وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله . ( الذخيرة : ٣/٣٨٧ ).
٢ - سورة البقرة : آية : ١٨٩..
٣ - سورة الشورى : آية : ٧٣..
٤ - سورة البقرة : آية : ١٩٣. وتمام الآية :فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي