ثم قال تعالى :
وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين ١٩٠ واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين ١٩١ فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم ١٩٢ وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين ١٩٣
وردت هذه الآيات في الإذن بالقتال للمحرمين في الأشهر الحرم إذا فوجئوا بالقتال بغيا وعدوانا. فهي متصلة بما قبلها أتم الاتصال لأن الآية السابقة بينت أن الأهلة مواقيت للناس في عبادتهم ومعاملاتهم عامة وفي الحج خاصة. وهو في أشهر هلالية مخصوصة كان القتل فيها محرما في الجاهلية. وأخرج الواحدي من طريق الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس أن هذه الآية نزلت في صلح الحديبية، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صد عن البيت ثم صالحه المشركون فرضي على أن يرجع عامه القابل ويخلوا له مكة ثلاثة أيام يطوف ويفعل ما يشاء. فلما كان العام القابل تجهز هو وأصحابه لعمرة القضاء وخافوا أن لا تفي لهم قريش وأن يصدوهم عن المسجد الحرام بالقوة ويقاتلوهم، وكره أصحابه قتالهم في الحرم والشهر الحرام، فأنزل الله تعالى : وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم .
وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة عطف على ( قاتلوا ) في الآية الأولى فتلك بينت بداية القتال وهذه بينت غايته، وهي : ألا يوجد شيء من الفتنة في الدين، ولهذا قال الأستاذ الإمام : أي حتى لا تكون لهم قوة يفتنونكم بها ويؤذونكم لأجل الدين ويمنعونكم من إظهاره أو الدعوة إليه ويكون الدين لله وفي سورة الأنفال : ويكون الدين كله لله ( الأنفال : ٢٩ ) أي يكون دين كل شخص خالصا لله لا أثر لخشية غيره فيه، فلا يفتن لصده عنه ولا يؤذى فيه، ولا يحتاج فيه إلى الدهان والمداراة، أو الاستخفاء أو المحاباة، وقد كانت مكة إلى هذا العهد قرار الشرك، والكعبة مستودع الأصنام، فالمشرك فيها حر في ضلالته، والمؤمن مغلوب على هدايته، قال فإن انتهوا أي في هذه المرة كما كانوا عليه فلا عدوان إلا على الظالمين أي فلا عدوان عليهم لأن العدوان إنما يكون على الظالمين تأديبا لهم ليرجعوا عن ظلمهم، ففي الكلام إيجاز بالحذف، واستغناء عن المحذوف بالتعليل الدال عليه. ويجوز أن يكون المعنى فإن انتهوا عما كانوا عليه من القتال والفتنة فلا عدوان بعد ذلك إلا على من كان منهم ظالما بارتكابه ما يوجب القصاص. أي فلا يحاربون عامة وإنما يؤخذ المجرم بجريمته.
ثم زاد تعليل الإذن بالقتال بيانا ببيانه على قاعدة عادلة معقولة فقال تعالى : الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين ١٩٤ وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين ١٩٥ .
كان المشركون يبدؤون المسلمين بالقتال لأجل إرجاعهم عن دينهم ولو لم يبدؤوا في كل واقعة لكان اعتداؤهم بإخراج الرسول من بلده وفتنة المؤمنين وإيذاؤهم ومنع الدعوة ـ كل ذلك كافيا في اعتبارهم معتدين. فقتال النبي صلى الله عليه وسلم كله كان مدافعة عن الحق وأهله وحماية لدعوة الحق ولذلك كان تقديم الدعوة شرطا لجواز القتال. وإنما تكون الدعوة بالحجة والبرهان لا بالسيف والسنان، فإذا منعنا من الدعوة بالقوة بأن هدد الداعي أو قتل فعلينا أن نقاتل لحماية الدعاة ونشر الدعوة لا للإكراه على الدين فالله تعالى يقول : لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي ( البقرة : ٩٩ ) وإذا لم يوجد من يمنع الدعوة ويؤذي الدعاة أو يقتلهم أو يهدد الأمن ويتعدى على المؤمنين فالله تعالى لا يفرض علينا القتال لأجل سفك الدماء وإزهاق الروح ولا لأجل الطمع في الكسب.
ولقد كانت حروب الصحابة في الصدر الأول لأجل حماية الدعوة، ومنع المسلمين من تغلب الظالمين لا لأجل العدوان. فالروم كانوا يعتدون على حدود البلاد العربية التي دخلت حوزة الإسلام ويؤذونهم وأولياؤهم من العرب المنتصرة من يظفرون به من المسلمين. وكان الفرس أشد إيذاء للمؤمنين منهم فقد مزقوا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم ورفضوا دعواته وهددوا رسوله وكذلك كانوا يفعلون. وما كان بعد ذلك من الفتوحات الإسلامية اقتضته طبيعة الملك ولم يكن كله موافقا لأحكام الدين، فإن من طبيعة الكون أن يبسط القوي يده على جاره الضعيف، ولم تعرف أمة قوية أرحم فتوحاتها بالضعفاء من الأمة العربية شهد لها علماء الإفرنج بذلك٢.
وجملة القول في القتال إنه شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها، فعلى من يدعي من الملوك والأمراء أنه يحارب للدين أن يحيي الدعوة الإسلامية، ويعد لها عدتها من العلم والحجة بحسب حال العصر وعلومه، ويقرن ذلك بالاستعداد التام لحمايتها من العدوان، ومن عرف حال الدعاة إلى الدين عند الأمم الحية وطرق الاستعداد لحمايتها يعرف ما يجب في ذلك وما ينبغي له في هذا العصر.
وبما قررناه بطل ما يهذي به أعداء الإسلام ـ حتى من المنتمين إليه ـ من زعمهم أن الإسلام قام بالسيف، وقول الجاهلين المتعصبين أنه ليس دينا لأن الإله الرحيم لا يأمر بسفك الدماء، وأن العقائد الإسلامية خطر على المدينة ـ فكل ذلك باطل، والإسلام هو الرحمة العامة للعالمين.
تفسير المنار
رشيد رضا