٢٠٤ - قوله تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا الآية. قال الكلبي (١) والسدي (٢) ومقاتل (٣) وابن عباس (٤) في رواية عطاء: نزلت هذه الآية في الأخنس بن شَرِيق (٥)، واسمه: أُبَيّ، وسمي الأخنس؛ لأنه خَنَس يوم بدر بثلاثمائة رجل من بني زُهْرَة عن قتالِ رسول الله - ﷺ -، وكان رجلًا حُلْوَ الكلام، حُلْوَ المَنْظر، وكان يأتي رسول الله - ﷺ - فيجالسه، ويظهر الإسلام، ويخبره أنه يحبه، ويحلف بالله على ذلك، وكان منافقًا حسن العلانية، سيئ السريرة، وكان يُعْجِبُ النبيَّ - ﷺ - (٦) كلامُه (٧). وإنما قال: (في الحياة الدنيا)، لأنه كاذب، فما تعجب النبي - ﷺ - من كلامه (٨) ولا
(٢) رواه عنه الطبري في "تفسيره" ٢/ ٣١٢، وابن أبي حاتم في "تفسيره" ٢/ ٣٦٤.
(٣) "تفسير مقاتل" ١/ ١٧٧. وذكره الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٦٢٦، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٢١٩، البغوي في "تفسيره" ١/ ٢٣٥.
(٤) عزاه في "زاد المسير" ١/ ٢١٩ إلى ابن عباس، وعزاه الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٦٢٦، وكذا البغوي في "تفسيره" ١/ ٢٣٥ إلى عطاء وحده وقد تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة.
(٥) هو: الأخنس بن شَرِيق بن عمرو بن وهب الثقفي، كان حليف بني زهرة، مطاعًا فيهم، نصحهم في عدم المشاركة في معركة بدر فأطاعوه ولم يشاركوا، كان أحدَ الثلاثةِ الذين تلذذوا بسماع القرآن ليلًا. اختلف في إسلامه. ينظر: "المحرر الوجيز" ٢/ ١٨٧، "أسد الغابة" ١/ ٤٧، "البداية والنهاية" ٥/ ٧٨.
(٦) ساقطة من "ي".
(٧) هذا مختصر من لفظ مقاتل في "تفسيره" ١/ ١٧٧ - ١٧٨، وذكره مطولا الثعلبي في "تفسيره" ٢/ ٦٢٦.
(٨) ما من قوله: وإنما. قال زيادة من (ي).
يثاب عليه في الآخرة (١).
وقوله تعالى: وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ يعني قوله: والله إني بك مؤمن، ولك محب، فهو يحلف بالله ويُشْهِدُه على أنه مضمر (٢) ما يقوله، وهو كاذب في ذلك، فكان التأويل: ويشهد الله على ما في قلبه من الإيمان بزعمه (٣).
وقوله تعالى: وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ معنى الأَلَدّ: الشديد الخصومة. قال أبو إسحاق: أُخذ من لَدِيدَي العُنُق، وهما صَفْحَتَاه، وتأويله: أنه في
أحدهما: أنها نزلت فيمن نافق فأظهر بلسانه ما ليس في قلبه. وهذا قول مجاهد والربيع وعطاء والحسن وقتادة وابن قلد ومحمد بن كعب القرظي، وقال الرازي في "تفسيره" ٥/ ٢١٤: وهو اختيار أكثر المحققين من المفسرين.
الثاني: أنها نزلت في سرية الرجيع، وبه قال ابن عباس والضحاك، والرجيع: ماء لهذيل قرب الهداة، بين عسفان ومكة، حين بعث كفار قريش إلى النبي - ﷺ - إنا قد أسلمنا فابعث لنا نفرا من أصحابك يعلمونا ديننا، فبعث لهم النبي - ﷺ - ستة من أصحابه، فغدرت بهم عضل والقارة، وصارت لهم قصة، فقال بعض المنافقين: ويح هؤلاء المقتولين، لا في بيوتهم قعدوا ولا رسالة صاحبهم أدوا، فأنزل الله تعالى في الزبير والمقداد وخبيب وأصحابه والمنافقين هذه الآية وثلاث آيات بعدها. وخبر سرية الرجيع مذكور في الصحيحين. رواه البخاري (٤٠٨٦) كتاب المغازي، باب: غزوة الرجيع ورعل وذكوان. ينظر: "فتح الباري" ٧/ ٣٨٥ - ٣٩٢، ومسلم (٦٧٧) كتاب الأمارة، باب: ثبوت الجنة للشهيد، "سيرة ابن هشام" ٢/ ١٨٤ - ١٩١، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٦٢٩ - ٦٣٨.
(٢) زيادة من (ي).
(٣) "تفسيرالثعلبي" ٢/ ٦٤٢.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي