ﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

في ثنايا التوجيهات والتشريعات القرآنية - التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية - يجد الناظر في هذه التوجيهات كذلك منهجا للتربية، قائما على الخبرة المطلقة بالنفس الإنسانية، ومساربها الظاهرة والخفية ؛ يأخذ هذه النفس من جميع أقطارها، كما يتضمن رسم نماذج من نفوس البشر، واضحة الخصائص جاهرة السمات، حتى ليخيل للإنسان وهو يتصفح هذه الخصائص والسمات، أنه يرى ذوات بعينها، تدب في الأرض، وتتحرك بين الناس، ويكاد يضع يده عليها، وهو يصيح : هذه هي بعينها التي عناها القرآن !
وفي هذا الدرس نجد الملامح الواضحة لنموذجين من نماذج البشر : الأول نموذج المرائي الشرير، الذلق اللسان. الذي يجعل شخصه محور الحياة كلها. والذي يعجبك مظهره ويسوؤك مخبره. فإذا دعي إلى الصلاح وتقوى الله لم يرجع إلى الحق ؛ ولم يحاول إصلاح نفسه ؛ بل أخذته العزة بالإثم، واستنكف أن يوجه إلى الحق والخير.. ومضى في طريقه يهلك الحرث والنسل ! والثاني نموذج المؤمن الصادق الذي يبذل نفسه كلها لمرضاة الله، لا يستبقي منها بقية، ولا يحسب لذاته حسابا في سعيه وعمله، لأنه يفنى في الله، ويتوجه بكليته إليه.
وعقب عرض هذين النموذجين نسمع هتافا بالذين آمنوا ليستسلموا بكليتهم لله، دون ما تردد، ودون ما تلفت، ودون ما تجربة لله بطلب الخوارق والمعجزات، كالذي فعلته بنو إسرائيل حين بدلت نعمة اللهعليها وكفرتها.. ويسمى هذا الاستسلام دخولا في السلم. فيفتح بهذه الكلمة بابا واسعا للتصور الحقيقي الكامل لحقيقة الإيمان بدين الله، والسير على منهجه في الحياة [ كما سنفصل هذا عند مواجهة النص القرآني بإذن الله ].
وفي مواجهة نعمة الإيمان الكبرى، وحقيقة السلام التي تنشر ظلالها على الذين آمنوا.. يعرض سوء تصور الكفار لحقيقة الأمر، وسخريتهم من الذين آمنوا بسبب ذلك التصور الضال. ويقرر إلى جانب ذلك حقيقة القيم في ميزان الله :( والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة )..
يلي هذا تلخيص لقصة اختلاف الناس. وبيان للميزان الذي يجب أن يفيئوا إليه ليحكم بينهم فيما اختلفوا فيه. وتقرير لوظيفة الكتاب الذي أنزله الله بالحق ليحكم بين ( الناس فيما اختلفوا فيه )..
ويتطرق من هذا إلى ما ينتظر القائمين على هذا الميزان من مشاق الطريق ؛ ويخاطب الجماعة المسلمة فيكشف لها عما ينتظرها في طريقها الشائك من البأساء والضراء والجهد الذي لقيته كل جماعة نيطت بها هذه الأمانة من قبل. كي تعد نفسها لتكاليف الأمانة التي لا مفر منها ولا محيص عنها. وكي تقبل عليها راضية النفس، مستقرة الضمير ؛ تتوقع نصر الله كلما غام الأفق، وبدا أن الفجر بعيد !
وهكذا نرى أطرافا من المنهج الرباني في تربية الجماعة المسلمة وإعدادها، تنحو أنحاء منوعة من الإيقاعات المؤثرة، تتخلل التوجيهات والتشريعات التي يتألف من مجموعها ذلك المنهج الرباني الكامل للحياة البشرية.
ويمضي السياق يوضح معالم الصورة ببعض اللمسات :
( وإذا قيل له : اتق الله أخذته العزة بالإثم. فحسبه جهنم ولبئس المهاد )..
إذا تولى فقصد إلى الإفساد في الأرض ؛ وأهلك الحرث والنسل ؛ ونشر الخراب والدمار ؛ وأخرج ما يعتمل في صدره من الحقد والضغن والشر والفساد.. إذا فعل هذا كله ثم قيل له :( اتق الله ).. تذكيرا له بخشية الله والحياء منه والتحرج من غضبه.. أنكر أن يقال له هذا القول ؛ واستكبر أن يوجه إلى التقوى ؛ وتعاظم أن يؤخذ عليه خطأ وأن يوجه إلى صواب. وأخذته العزة لا بالحق ولا بالعدل ولا بالخير ولكن( بالإثم ).. فاستعز بالإجرام والذنب والخطيئة، ورفع رأسه في وجه الحق الذي يذكر به، وامام الله بلا حياء منه ؛ وهو الذي كان يشهد الله على ما في قلبه ؛ ويتظاهر بالخير والبر والإخلاص والتجرد والاستحياء !
إنها لمسة تكمل ملامح الصورة، وتزيد في قسماتها وتمييزها بذاتها.. وتدع هذا النموذج حيا يتحرك. تقول في غير تردد : هذا هو. هذا هو الذي عناه القرآن ! وأنت تراه أمامك ماثلا في الأرض الآن وفي كل آن !
وفي مواجهة هذا الاعتزاز بالإثم ؛ واللدد في الخصومة ؛ والقسوة في الفساد ؛ والفجور في الإفساد.. في مواجهة هذا كله يجبهه السياق باللطمة اللائقة بهذه الجبلة النكدة :
( فحسبه جهنم، ولبئس المهاد ! )..
حسبه ! ففيها الكفاية ! جهنم التي وقودها الناس والحجارة. جهنم التي يكبكب فيها الغاوون وجنود إبليس أجمعون. جهنم الحطمة التي تطلع على الأفئدة. جهنم التي لا تبقي ولا تذر. جهنم التي تكاد تميز من الغيظ ! حسبه جهنم ( ولبئس المهاد ! )ويا للسخرية القاصمة في ذكر( المهاد )هنا.. ويا لبؤس من كان مهاده جهنم بعد الاعتزاز والنفخة والكبرياء !

في ظلال القرآن

عرض الكتاب
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير