وذكر في تفسير الفساد هاهنا: الخراب، وقطع الدرهم، وشق الثياب، لا على وجه المصلحة (١).
ويقال: فَسَدَ الشيءُ يَفْسد فسودًا وفسادًا، كما يقال: ذهب ذُهُوبًا وذَهابًا، وكسد كُسُودًا وكَسَادًا (٢).
٢٠٦ - قوله تعالى: وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ، وذلك أن رسول الله - ﷺ - دعاه إلى إجابةِ اللهِ في ظاهره وباطنه، فدعاه الأَنَفَةُ والكِبْر إلى الإثم والظلم، وهو قوله: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ (٣). ومعنى العزة هاهنا: المنعة والقوة (٤). وذكرنا معاني العز والعزيز فيما تقدم.
قال قتادة: إذا قيل له: مَهْلًا مَهْلَا ازداد إقدامًا على المعصية (٥).
قال أهل المعانى: معنى (أخذته العزة بالإثم) حملته عليه، وجَرّأته عليه، وزينت له ذلك، يقال: أخذت فلانًا بكذا وكذا، أي: أردته عليه، وحملته على ذلك، وكلفته.
(٢) ينظر: "معاني القرآن" للفراء ١١٢٤، "تفسير الطبري" ٢/ ٣١٩، "تهذيب اللغة" ٣/ ٢٧٨٧ "فسد" وقال: قال الليث: الفساد: نقيض الصلاح، والفعل فسد يفسد فسادا، قلت: ولغة أخرى: فسُد فسودًا، ويقال: أفسد فلان المال يُفسده إفسادًا وفسادا.
(٣) ينظر: "تفسير الثعلبي" ٢/ ٦٥٢.
(٤) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٣١٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٦٥٢، "الوسيط" ١/ ٣١١، "التفسير الكبير" ٥/ ٢١٩، "البحر المحيط" ٢/ ١١٧.
(٥) ذكره الواحدي عن قتادة في "الوسيط" ١/ ٣١١، والقرطبي ٣/ ١٩.
وتأويل الآية: حَمَلَتْه العِزّةُ وحَمِيَّةُ الجاهلية على الفعل بالإثم (١).
والجَارّ في قوله تعالى: بِالْإِثْمِ يجوزُ تَعَلُّقُه بالأخذ وبالعزة، فإن علقته بالأخذ، كان المعنى: أخذته بما يؤثمه، أي: أخذته بما كسبه ذلك، والمعنى: للعزة يرتكب ما لا ينبغي أن يرتكب، فكأن العزة حملته على ذلك وقلة الخشوع.
وإن علقته بالعزة كان المعنى الاعتزاز بالإثم، أي: اعتز بما يؤثمه فيبعده مما يرضاه الله (٢).
وقوله تعالى: فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ قال المفسرون: كافيه الجحيمُ جزاءً له وعذابًا (٣)، ويقال: حَسْبُكَ دِرْهَمٌ، أي: كفاك، وحَسْبُنا الله، أي: كافينا الله.
قال امرؤ القيس:
وحَسْبُكَ من غِنًى شِبَعٌ ورِيّ (٤)
(٢) ينظر: "تفسير البغوي" ١/ ٢٣٦، "البحر المحيط" ٢/ ١١٧، "الدر المصون" ٢/ ٣٥٤، وذكر أبو حيان أن الباء يحتمل أن تكون للتعدية، كأن المعنى: ألزمته العزة الإثم، ولحتمل أن تكون للمصاحبة، أي: أخذته مصحوبا بالإثم، أو مصحوبة بالإثم، فيكون للحال من المفعول، أي: أخذته متلبسا بالإثم أو من الفاعل أي: حال من العزة، أي متلبسة بالإثم. ويحتمل أن تكون سببية، والمعنى: أن إثمه السابق كان سببا لإخذ العزة له حتى لا يقبل ممن يأمره بتقوى الله.
(٣) ينظر: "تفسير الطبري" ٢/ ٣١٩، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٦٥٣، "التفسير الكبير" ٥/ ٢٢٠، "البحر المحيط" ٢/ ١١٧.
(٤) صدر البيت: فَتُوسِعَ أَهْلَها أَقِطًا وسَمْنًا
والبيت في "ديوان امرئ القيس" ص ١٧١، وينظر: "الزاهر" ١/ ٩٦، "الوسيط" للواحدي ١/ ٣١١.
أي: يكفيك الشِّبَعُ والرِّيُّ، تصريفه من الثلاثي ممات، ويقال منه في الرباعي: أحسبني الشيء، إذا كفاني (١).
وأما جهنم، فقال يونس وأكثر النحويين: هي اسم للنار التي يعذب الله بها في الآخرة، وهي أعجمية لا تُجْرَى للتعريف والعجمة (٢).
وقال آخرون: جهنم اسم عربي، سميت نار الآخرة بها لبعد قعرها، ولم تُجْر (٣) للتعريف والتأنيث.
قال قطرب: حكي لنا عن رؤبة (٤) أنه قال: رَكِيَّةٌ جَهَنَّام، يريد: بعيدةَ القَعْر (٥).
والمهاد: جمع المهد. والمهد: الموضعُ المُهَيَّأُ للنَّوم، ومنه: مَهْدُ الصبي. وأصله: من التوطية، يقال: مَهَدْتُ الشَّيءَ والأرض مهادًا؛ لأنه موطاة للعباد (٦).
وسَمَّى جهنمَ هاهنا مِهادًا على معنى أنها قرار، والقرار كالوطاء في
(٢) نقله عنه في "تهذيب اللغة" ١/ ٦٨١، وفي "لسان العرب" ٢/ ٧١٥ "جهن"، وقوله: لا تجرى، أي: لا تصرف وتنون.
(٣) قوله: لم تجر، أي: لم تصرف وتنون.
(٤) هو: أبو الجحاف رؤبة بن العجاج بن عبد الله التميمي، تقدمت ترجمته [البقرة: ٩].
(٥) ينظر: "تهذيب اللغة" ١/ ٦٨١، "المفردات" ١٠٩، "التفسير الكبير" ٥/ ٢٢٠، "البحر المحيط" ٢/ ١٠٨، "لسان العرب" ٢/ ٧١٥ "جهن".
(٦) بنظر: "مجاز القرآن" ١/ ٧١، "تفسير الطبري" ٢/ ٣٢٠، "تهذيب اللغة" ٤/ ٣٤٦١، "المفردات" ص ٤٧٩، "اللسان" ٧/ ٤٢٨٦ "مهد".
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي