ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

قال تعالى : هل ينظرون إن أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور وفيها مسألتان :
[ ٣ ] : المسألة الأولى : المراد بالإتيان في الآية :
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى :
وقوله تعالى : هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة وقضي الأمر وإلى الله ترجع الأمور ١.
فهذا كله على ما بينا من أن المجيء والإتيان يوم القيامة فعل يفعله الله عز وجل في ذلك اليوم يسمى ذا الفعل مجيئا وإتيانا.
وقد روينا عن أحمد ابن حنبل – رحمه الله تعالى – أنه قال٢ : وجاء ربك ٣، ٤ إنما معناه أمر ربك٥.
فمعنى وجاء ربك ويأتيهم الله سبحانه وتعالى هو أمر معلوم في اللغة٦ التي نزل بها القرآن مشهور فيها : قول جاء الملك وأتانا الملك، وإنما أتى جيشه وسطوته وأمره. ٧
[ ٤ ] : المسألة الثانية : أوجه قراءة الملائكة
قال ابن حزم – رحمه الله تعالى - :
وذكر تعالى الملائكة فقال : لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون ٨.
وقال تعالى : ويستغفرون لمن في الأرض ٩
وقال تعالى : وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتو عتوا كبيرا * يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ١٠.
فقرن تعالى نزول الملائكة برؤيته تعالى وقرن تعالى إتيانه بإتيان الملائكة فقال عز وجل :
هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ١١
واعلم أن إعراب الملائكة ها هنا بالرفع عطفا١٢ على الله عز وجل لا على الغمام١٣. ١٤

١ سورة البقرة: آية ٢١٠..
٢ ونقل ذلك عن أحمد، في مجموع الفتاوي لشيخ الإسلام (٥/٣٩٨ – ٣٣٩)، انظر البداية والنهاية لابن كثير (١٠/٣١٧)..
٣ سورة الفجر: آية ٢٢..
٤ إن مذهب الإمام أحمد في الصفات بصورة عامة هو إثبات ما أثبته الله عز وجل لنفسه، أو ما أثبته له نبيه عز وجل ومن ضمن ذلك الإتيان فقد قوم إن هذا هو مذهب الإمام متمسكين في ذلك بما جاء في رواية حنبل بن إسحاق أنهم لما احتجوا على الإمام في المحنة بقول النبي صلى الله عليه وسلم "تجيء البقرة وآل عمران كأنها غمامتان أو غيابتان، أو فرقان من طير صواف" وهذا الحديث أخرجه مسلم في صحيحه باب فضل قراءة القرآن (١/٥٥٣) رقم الحديث (٨٠٤).
وقالوا أنه لا يوصف بالإتيان والمجيء إلا مخلوق فعارضهم أحمد بأن المراد به مجيء ثواب البقرة وآل عمران، ثم عارضهم بقوله هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام قال: قيل إنما يأتي أمره.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – هكذا نقل حنبل ولم ينقل هذا غيره، انظر مجموع الفتاوي لشيخ الإسلام (٥/٩٩٣) بتصرف.
ويقول ابن القيم – رحمه الله – معلقا على هذه الرواية: اختلف فيها أصحاب أحمد على ثلاث طرق:
أحدها: أنها غلط عليه فإن حنبل تفرد بها عنه وهو كثير المفاريد المخالفة للمشهور من مذهبه. وإذا تفرد بما يخالف المشهور عنه فالخلال وصاحبه عبد العزيز لا يثبتون هذه الرواية، والتحقيق أنها رواية شاذة مخالفة لجادة مذهبه. هذا إذا كان ذلك من مسائل الفروع فكيف في هذه المسألة وقالت طائفة أخرى: بل ضبط حنبل ما نقله وحفظه. ثم اختلفوا في تخريج هذا النص فقالت طائفة منهم إنما قاله أحمد على سبيل المعارضة لهم. فإن القوم كانوا يتأولون في القرآن من الإتيان والمجيء بمجيء أمره سبحانه ولم يكن في ذلك ما يدل على أن من نسب إليه المجيء والإتيان مخلوق فكذلك وصف الله سبحانه كلامه.
فلا يدل على أن كلامه مخلوق مجيء القرآن على مجيء ثوابه كما حملتم مجيئه سبحانه وإتيانه على مجيء أمره وبأسه. فأحمد ذكر ذلك على وجه المعارضة والإلزام لخصوصه بما يعتقدونه في نظير ما أحتجوا به عليه لأنه يعتقد ذلك والمعارضة لا تستلزم إعتقاد المعارض صحة ما عارض به والرواية المشهورة من مذهبه ترك التأويل في الجميع.
حتى إن حنبلا نفسه ممن نقل عنه ترك التأويل صريحا. فإنه لما سأله عن تفسير النزول هل هو أمره أم ماذا؟ نهاه عنه، انظر مختصر الصواعق المرسلة لابن القيم ص (٣٩٠ – ٢٣٣) بتصرف..

٥ الفصل لابن حزم (٢/٣٥٨)..
٦ الإتيان هو: مجيء بسهولة ومنه قيل للسيل المار على وجهه: آتيٌ وأتاوي. والإتيان يقال للمجيء بالذات وبالأمر والتدبير ويقال في الخير والشر والأعيان والأعراض، أنظر مفردات ألفاظ القرآن للراغب الأصفهاني ص (٦٠)..
٧ الفصل (٢/٢٠٩)، انظر الدرة ص '٢٣٣)..
٨ سورة الأنبياء: آية ٢٧..
٩ سورة الشورى: من آية ٥..
١٠ سورة الفرقان: آية ٢١ وآية ٢٢..
١١ سورة البقرة: من آية ٢١٠..
١٢ قرأ أبو جعفر بالخفض وقرأ الباقون بالرفع. انظر النشر في القراءات العشر لابن الجزري (٢/٢٢٧)، المهذب في القراءات العشر وتوجيهها لمحمد سالم محسن (٨٨)..
١٣ الغمام: جمع غمامة بالفتح وهي السحابة والجمع غمام وغمائم ومنه قول الشاعر:
إذا غبت عنا غاب عنا ربيعنا ونُسقى الغمام الغراء حين تؤوب
وقد أغمت السماء أي تغيرت وقال ابن عرفة في قوله تعالى: وظلنا عليكم الغمام الغمام السحاب الأبيض وإنما سمي غماما لأنه يغُم السماء أي يسترها وسمي الغم غما لاشتماله على القلب.
انظر لسان العرب (١٢/٤٤٣ – ٤٤٤) باختصار..

١٤ الفصل لابن حزم (٥/١٣١)..

آراء ابن حزم الظاهري في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير