١٢٨- هو استثناء مفرغ، لأن " أن " وما بعدها مفعول " ينظرون " فهو مفرغ للمفعول والاستفهام على الله تعالى محال، بل يقع إما ثبوتا صرفا كقوله تعالى : هل أتى على الإنسان حين من الدهر ١ أي : قد أتى. أو نفيا صرفا كقوله تعالى : فهل ترى لهم من باقية ٢ أي : ما ترى لهم من باقية. والاستفهام المتردد بين النفي والثبوت محال، لأنه طلب الفهم، وطلب الفهم محال على من هو بكل شيء عليم.
و " ينظرون " معناه : ينتظرون.
وإتيان الله تعالى إما مجاز، أو على الحذف.
أما المجاز : فتقريره أن اللفظ استعير لما يتعلق بمسماه، كما تقول : " جاء الملك " والمراد عساكره أو رسوله أو نحو ذلك، فيستعمل لفظ الملك مجازا في عقابه، ولا يكون هنالك مضاف محذوف، كذلك ها هنا الآتي هو وعيد الله تعالى في الغمام مع الملائكة، فعبر بلفظ " الله " عن وعيده.
وقد جاء هذا المجاز فيما عرب من الكتب القديمة، فما عرب من التوراة : " جاء الله من سيناء، وأشرف من ساعير واستعلن من جبال فاران " ٣.
والمراد : " كتب الله ورسائله وهدايته الواردة في هذه المواطن، " فسيناء " وطور سيناء وما جاء فيه من التوراة على موسى عليه السلام. و " ساعير " : الجبل الذي نزل فيه الإنجيل على عيسى عليه السلام أو موضع ليس بجبل. و " فاران " في الكتب القديمة : مكة. والآتي فيها القرآن الكريم نزل لسيد المرسلين على أوضح الطرق وأتم البيان والهداية " فلذلك قال : " جاء الله من سيناء أي : ما تقدم. وأشرق، أي : ظهر من ساعير، فإن التوراة قويت بمعاصرة الإنجيل وأيدت به، وإشراق الشيء : قوة ظهوره. واستعلن من جبال فاران، أي : قوي جدا إلى أقصى الغايات. والعلن والعلانية : الظهور. فهذا كله مجاز من غير حذف.
وأما الحذف فيكون التقدير : " إلا أن يأتيهم عذاب الله " فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه.
والأول أولى لما تقرر في علم الأصول : أنه إذا تعارض المجاز والإضمار فالمجاز أولى. وقيل : هما سواء لاحتياج كل منهما إلى قرينة مرشدة.
و " الظلل " : جمع ظلة، وهي ما أظل من فوق.
و " الغمام " : أرق السحاب وأصفاه وأحسنه، وهو الذي ظلل بني إسرائيل، وقيل : هو ضباب أبيض. واختلف العلماء هل المراد أن ذلك يوم القيامة أو يأتيهم ذلك في الدنيا. ( الاستغناء : ١٦٢-١٦٣ ).
٢ - سورة الحاقة : ٧..
٣ - الكتاب المقدس. تثنية ٣٣/١-٢. طبعة بيروت نقلا عن المحقق لكتاب الاستغناء (محمد عبد القادر عطا) هامش : ١٦٣..
جهود القرافي في التفسير
أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي