ﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽ

هل ينظرون النثر بمعنى الانتظار يعني ما ينتظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل جمع ظلة وهي كل ما أظلت من الغمام قال البغوي : هو السحاب الأبيض الرقيق سمي غماما لأنه يغم أي يستر، وقال مجاهد : هو غير السحاب ولم يكن إلا لبني إسرائيل في تيههم، وقال مقاتل : كهيئة الضباب أبيض، وقال الحسن في سترة من الغمام فلا ينظر إليه أهل الأرض والملائكة قرأ أبو جعفر بالجر عطفا على الغمام ويكو الجر للجوار، والباقون بالرفع أي ويأتيهم الملائكة وقضي الأمر وجب العدا للكفار و الثواب للمؤمنين، وفرغ من الحساب وذلك يوم القيامة والله أعلم.
أجمع علماء أهل السنة من السلف والخلف أن الله سبحانه منزه عن صفات الأجسام سمات الحدوث فلهم في هذه الآية سبيلان أحدهما الإيمان به وتفويض عملها إلى الله تعالى والتحاشي عن البحث فيه وهو مسلك السلف، قال الكلبي : هذا من المكتوم الذي لا يفسر، وكان مكحول والزهري والأوزاعي ومالك وابن المبارك وسفيان الثوري والليث وأحمد وإسحاق رحمهم الله تعالى يقولون فيه وفي أمثاله أمروها كما جاءت بلا كيف، قال سفيان بن عيينة : كل وصف الله تعالى به نفسه في كتبه فتفسيره قراءته والسكوت عنه ليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله، وبه قال أبو حنيفة رحمه الله حيث قال في المتشابهات لا يعلم تأويله إلا الله بالوقف عليه، ثانيهما تأويله بما يليق به بناء على ما قيل لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم بالعطف، قال البيضاوي وغيره. إلا أن يأتيهم الله أي أمره أو بأسه بحذف المضاف فهو كقوله تعالى : أو يأتي أمر ربك جاءهم بأسنا أو المعنى أن يأتيهم الله ببأسه فحذف المأتي به للدلالة عليه بقوله : إن الله عزيز حكيم قال : وإنما يأتي العذاب في الغمام لأن الغمام مظنة الرحمة فإلإذا جاء من العذاب جاء من حيث لا يحتسبه فكان أفظع، قلت : وما ذكر البيضاوي من التأويل يأبى عنه ما جاء في تفسير هذه الآية وأمثاله من الأحاديث. أخرج الحاكم وابن أبي حاتم وابن أبي الدنيا عن ابن عباس أنه قرأ ويوم تشقق السماء بالغمام قال : يجمع الله الخلق يوم القيامة في صعيد واحد الجن والإنس والبهائم والسباع والطير وجميع الخلق، فيشقق السماء الدنيا فينزل أهلها وهم أكثر ممن في الأرض من الجن والإنس وجميع الخلق فيحيطون بالجن والإنس وجميع الخلق قيقول أهل الأرض : أفيكم ربنا ؟ فيقولون : لا، ثم ينزل أهل السماء الثانية وهم أكثر من أهل السماء الدنيا ومن أهل الأرض فيقولون : أفيكم ربنا ؟ فيقولون لا، فيحيطون بالملائكة الذين نزلوا قبلهم وبالجن والإنس وجميع الخلائق، ثم ينزل أهل السماء الثالثة هكذا ثم الرابعة ثم الخامسة ثم السادسة ثم السابعة وهم أكثر من أهل السماوات وأهل الأرض فيقولون : أفيكم ربنا ؟ فيقولون : لا، ثم ينزل ربنا في ظلل من الغمام وحوله الكروبيون وهم أكثر من أهل السماوات السبع والأرضين، وحملة العرض لهم قرون ككعوب القنا ما بين أقدام أحدهم كذا وكذا، ومن أخمص قدمه إلى كعبة مسيرة خمسمائة عام ومن كعبه إلى ركبته خمسمائة عام ومن ركبته إلى أرنبته خمسمائة عام ومن أرنبه إلى ترقوته خمسمائة عام ومن ترقوته إلى موضع القرط خمسمائة عام. قلت : وأيضا لو كان معنى الآية كما قال البيضاوي بحذف المضاف ونحوه فهو نظير قوله تعالى : وسأل القرية التي كنا فيها يعني واسأل أهل القرية، ولم يقل إنه من المتشابهات أحد فحينئذ لم يكن آية في القرآن من المتشابهات وقد قال الله تعالى : منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات .
ولأصحاب القلوب في تلك الآيات سبيل آخر : وهو أن لله سبحانه تجليات في بعض مخلوقاته وظهورات لا كيف لها كما ذكرنا في القلب المؤمن والكعبة الحسناء والعرش العظيم وعامتها تكون على الإنسان فإنه خليفة الله، وتلك التجليات قد تكون برقيا كالبرق الخاطلف وقد تكون دائميا وتلك لا تستدعي حدوث أمر في ذاته تعالى وكونه محلا للحوادث ومتنزلا عن مرتبة التنزيه بل هي مبنية على حدوث أمر في الممكن، كما أن المرآة المحاذية للشمس كلما صوقلت انجلت الشمس فيها ويظهر في المرآة آثارها من الإضاءة و الإحراق، وهذه التجليات هي المصداق لقوله تعالى : فلما تجلى ربه للجبل وقوله تعالى : يأتيهم الله في ظلل من الغمام يعني يتجلى لهم يوم القيامة في الغمام، فأما من اكتسب قلبه في الدنيا بصيرة ينفذ بصره من وراء الغمام إلى الله سبحانه كما ننفذ البصر في الأجرام الزجاجية إلى الأجرام الفلكية، ولا استحالة في الرؤية من وراء الغمام بعدما أثبتوا الرؤية في الجنة من غير حجاب كما ترون القمر ليلة البدر، وأما من لم يكتسب قلبه بصيرة وهو في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا فيكون له الغمام ساترا وحجابا، قال السيوطي في البدور السافرة : رأيت بخط الشيخ بدر الدين الزركشي ما نصه : قال سلمة ابن القاسم في كتاب غرائب الأصول حديث تنزل الله يوم القيامة ومجيئه في ظلل محمول على أن الله تعالى يغير أبصار خلقه حتى يرونه كذلك وهو على عرشه غير متغير ولا متنقل، قلت : يعني يرونه كذلك من وراء الحجاب السجنجلي، قال السيوطي : وكذلك جاء معناه عن عبد العزيز الماجشون أنه تعالى يغير أبصار خلقه فيرونه نازلا متجليا مناجي خلقه ومخاطبهم وهو غير متغير عن عظمته ولا متنقل وقد وجدنا أن جبرئيل كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم تارة في صورته وتارة في صورة دحية وجبرائيل أجل من صورة دحية إلخ انتهى. قلت : وما ذكرنا من التأويل لا مساس له بأقوال الخلف لكنه هو المراد ما ذكرنا من أقوال السلف أمروها كما جاءت بلا كيفن يعني هذه الأمور كلها من الاستواء والنزول وغير ذلك ثابتة كما جاءت النصوصو لكن بلا كيف بحيث لا يزاحم مرتبة التنزيه، وهذ أمر من لم يذقه لم يدر ومن درى لا يمكنه التعبير عنه كما هو بل يختبط أفهام السامعين فيفهمون غير مراده فعليكم بالسكوت عنه والإيمان به وليس لأحد أن يفسره إلا الله ورسوله وعطف الرسول على الله فيقتضي أنه صلى الله عليه وسلم كان عالما بتفسير المتشابهات، قلت وكذا أكمل أتابعه والله أعلم وإلى الله ترجع الأمور قرأ ابن عامر حمزوة و الكسائي ويعقوب ترجع الأمور حيث وقع بفتح التاء وكسر الجيم من الرجوع اللازم والباقون بضم التاء وفتح الجيم من الإرجاع المتعدي.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير