زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا
تفسير المفردات :
وزين له الشيء : حسن له، وسخر منه : استهزأ به، والحساب : التقدير.
الإيضاح :
أي حسنت الحياة الدنيا للكافرين وأشربت محبتها في قلوبهم فتهالكوا عليها وتهافتوا فيها، وأعرضوا عن الدين حين ظنوا أن منافعها قد تفوتهم.
والمراد بهم من لا يؤمنون بالحقوق المشروعة لله وللناس، إيمان إذعان وانقياد، بل يؤثرون الدنيا على ما عند الله من النعيم المقيم، وأخص صفاتهم أن تكون زينة الدنيا أكبر همهم، فهم يؤثرونها على كل شيء، حتى إن أمر الدين لا يزحزحهم عن شيء يقدرون عليه من هذه الزينة، لأنهم لا يقين لهم في الآخرة، فدينهم تقاليد وخواطر تتنازعها الشبهات، والشكوك والتأويلات.
فأهل الكتاب – ولهم شريعة إلهية – تفرقوا واختلفوا في التأويل وارتكبوا التحريف، وكل فريق منهم يعتذر عن ترك العمل بالتوراة بأنه متبع لبعض الأحبار الذين هم أعلم منه بها.
وليس لذلك من سبب إلا الافتتان بزينة الحياة الدنيا الزائلة، وإيثارها على حياة الآخرة الباقية، فقد انصرفت نفوسهم عن النظر الصحيح في آيات الحق وبيناته، فرؤساؤهم جعلوا همهم الشهرة والاستعلاء على الأقران، وانتصر كل فريق لمذهب يدافع عنه بالجدل والتأويل، والمرءوسون ينتمي كل فريق إلى رئيس يعتز به ويقلده، ولا يستمع قولا لمخالفه، وحب الدنيا هو رأس كل خطيئة، وسبب كل بلية في الدنيا والآخرة.
فليحذر المسلمون أن يحذوا حذوهم ويسيروا سيرتهم ولا يتبعوا خطوات الشيطان فيتفرقوا كما تفرق اليهود والنصارى حتى لا يحيق بهم ما حاق بالذين من قبلهم.
ولكن الله قضى ولا رد لقضائه أن يحتذوا حذوهم، ويتبعوا نهجهم، ويختلفوا كما اختلف الذين من قبلهم، فحاق بهم مثل ما حاق بأولئك، وتلك سنة الله، ولن تجد لسنة الله تبديلا.
والخلاصة – إن الله أوعد المسلمين على التفرق والاختلاف، وذكرهم بحال من سبقهم من أهل الكتاب الذين حل بهم عقابه في الدنيا جزاء أعمالهم من حبهم للدنيا وزينتها، وتركهم حقوقه وحقوق الناس واختلافهم في دينهم لأجلها.
وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ أي و يسخرون من فقراء المؤمنين كعبد الله ابن مسعود وعمار وصهيب، ويقولون : تركوا لذات الدنيا وعذبوا أنفسهم بالعبادات.
كما يسخرون من أغنيائهم لأنهم لا يتذوقون في النعيم، بل يستعدون لما بعد الموت بترقية نفوسهم بالاعتقاد الصحيح المؤيد بالبينات والتحلي بفاضل الأخلاق، وإعطاء فضل ما لهم للعاجزين والبائسين.
ثم رد على أولئك الساخرين الذين يرون أنهم في لذاتهم خير من أهل اليقين في تقاهم فقال :
وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أي إنه إذا استعلى بعض الكافرين على بعض المؤمنين برهة من الدهر في هذه الحياة القصيرة بما يكون لهم من الأتباع والأنصار والخدم والأعوان، فإن المؤمنين المتقين سيكونون أعلى منهم في تلك الحياة الأبدية مقاما وأرفع منهم منزلة.
وآثر التعبير بالذين اتقوا عن الذين آمنوا، إيماء إلى أن المفتونين بزخرف الدنيا يدعون الإيمان لأنهم نشئوا بين قوم يدعون أهل الكتاب، ومع هذا لم يعتد بإيمانهم في الآخرة، إذ لم تصحبه التقوى، ولم يكن له أثر في النفس يولد العمل الصالح كما قال : تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا .
وَاللّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ أي إنه يعطي كثيرا بلا تضييق ولا تقتير كما يقال هو ينفق بغير حساب، على معنى أنه ينفق كثيرا، وقد جاء هذا المعنى في قوله : من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا. ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا. كلا نمد هؤلاء وهؤلاء من عطاء ربك، وما كان عطاء ربك محظورا. انظر كيف فضلنا بعضهم على بعض، وللآخرة أكبر درجات وأكبر تفضيلا .
والرزق بلا حساب ولا سعي في الدنيا يكون بالنسبة إلى الأفراد، فإنا نرى كثيرا من الأبرار وكثيرا من الفجار أغنياء متمتعين بسعة الرزق، وكثيرا من الفريقين فقراء معسرين، لكن المتقي يكون دائما أحسن حالا وأكثر احتمالا، فلا يؤلمه الفقر كما يؤلم الفاجر، إذ هو بالتقوى يجد المخلص من كل ضيق، ومن عناية الله به رزقا غير محتسب.
أما الأمم فأمرها على خلاف ذلك، فالأمم الذليلة المهينة لا تكون متقية لأسباب نقمة الله وسخطه بالجري على سننه، إذ ليس من سنن الله أن يرزق الأمة العزة والثروة والقوة والسلطة من حيث لا تحتسب ولا تقدر ولا تعمل ولا تدبر، بل هو معطيها بعملها ويسلبها بزللها كما قال : ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم .
تفسير المراغي
المراغي