قوله - عز وجل -:
سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ
الآية (٢١١) - سورة البقرة.
نبه بلفظ كَمْ على كثرة ما آتاهم من الآيات، ودل بقوله: وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ على إضمار بدلوا، وعلى هذا إن الحكم ليس مقصوراً عليهم، بل هو عام فيهم وفي غيرهم، ودل بقوله: نِعْمَةَ اللَّهِ أن الآية من جملة نعمته، بل هي من أعظم النعم، وبقوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ على نحو ما دل عليه قوله: مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ وتقدير الكلام: آتيناهم آيات هي بنعم، فبدلوها ومن يبدل نعمت الله بعد اختصاصه بها عاقبه الله عقاباً شديداً فإنه شديد العقاب، فإذن بعقاب بني إسرائيل ومن فعل فعلهم، فإنه يعاقبهم كما عاقبهم.
قوله- عز وجل:
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ
الآية (٢١٢) - سورة البقرة.
التزيين التحسين المدرك بالحس دون المدرك بالعقل، ولهذا جاء في أوصاف الدنيا دون أوصاف الآخرة، نحو: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ، واختلف في هذا التزين، فمنهم من قال الله زينه لقوله: إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ، ومنهم من قال: الشيطان زين لهم لقوله: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، وروي عن الحسن: الشيطان زينها ولا يعلم أحد أذم لها ممن خلقها أو وصفها بأنها متاع قليل وأنها متاع الغرور وجمع بعض الملاحدة بين هذه الآية
وأخواتها وزعم أن ذلك من الآيات المتناقضة في القرآن، لأنه قال مرة: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فقال: الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ، وقال في آية أخرى: زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ، فنسبه إلي نفسه، وتارة ذكر أنه قيض لهم من زينها لهم، وذلك قوله: وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ، ووهي ما ادعاه لا يخفى على ذي بصيرة، لكن بيانه يحتاج إلى مقدمة، فنقول وبالله التوفيق: إن الله- عز وجل خلق الإنسان وجعل له سبيلاً إلى بقائه بشخصه زماناً ما، وتنوعه مدة ما، وركب فيه شهوة تشوقه إلى الغذاء والجماع اللذين هما سببا البقاءين، فهذا هو تزين الله عز وجل- وأمره باستعمالها حسب ما تأمره الشريعة فيها يؤدي به إلى سعادته في الآخرة على ما ينبغي، وبقدر ما ينبغي، ومن عشقها بإفراط، استحوذ الشطيان عليه وأعماه عن قبح المستقبح منه، وذلك قوله تعالى: وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وأما قوله تعالى زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ [وقوله تعالى] زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ، فالتزيين في الآيتين يحتمل وجهين أحدهما أن الذي زينه هو المشروع لهم، والثاني: أن الذي زينه هو الشهوة لكن على أن يأخذ بقدر ما يجب، وفي وقت ما يجب، لا أن يجعلها مقصده ووجه أخر في الآية، وهو: الحياة حياتان، حياة ذاتية دنيه وهي الحياة الدنيا ودناءتها لما وصفها الله تعالى بقوله اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا
صفحة رقم 437
الآية..
، وحياة متأخر سنية وهي الموصوفة بقوله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ والثانية: لا يعرفها إلا الذين اتقوا، فأما الذين كفروا فلا يعرفون إلا الحياة الدنيا ويجحدون الآخرة ويسخرون من الذين يؤمنون بها، فبين الله تعالى أنهم وإن سخروا من الذين آمنوا، فالذين آمنوا فوقهم، ومعنى فَوْقَهُمْ قيل هو كقوله: أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وذلك يحتمل وجهين، أحدهما أن حال المؤمنين في الآخرة أعلى من حال الكفار في الدنيا، والثاني: أن المؤمنين في الآخرة هم في الغرفات، وأن الكفار في الدرك الأسفل من النار وقوله: وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ أي كفى ما يستحق بلا إفراط ولا تفريط، " وأعطاه بغير حساب " إذا أعطاه أكثر مما يستحق وأقل مما يستحق والأول هو المقصود هاهنا، وهو المشار إليه بالإحسان، وقد فسر ذلك على أوجه لاحتمال اللفظ، وإيهامه الأول يعطيه [عطاء] أكثر مما يستحقه، الثاني: يعطيه ولا يأخذ منه، الثالث: يعطيه عطاءً لا يحويه حصر العباد،
لقول الشاعر: عطاياهُ تحْصَى قبل إحصائها القطرُ
الرابع: يعطيه بلا مضايقة، من قولهم: حاسبته أي ضايقته، الخامس: يعطيه أكثر مما يحسبه
أي يكفيه، وكل هذه الوجوه تحتمل أن يكون ذلك في الدنيا وفي الآخرة، السادس: إن ذلك إشارة إلى
توسيعه على الكفار والفساق الذين قال فيهم: وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ تنبيهاً أن لا فضيلة في المال، ولا إكرام لمن يوسع عليه ما لم
يستعن به في الوصول إلى المطلوب منه، ولهذا قال: أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ الآية...
ولهذا قال أمير المؤمنين: " من وسع عليه في دنياه فلم يعلم أنه مكر به فقد خدع عن عقله ".
السابع: يعطي أولياءه بلا تبعه ولا حساب عليهم فيما يعطون، وذاك أن المؤمن لا يأخذ من عرض الدنيا إلا من حيث يجب، وفي وقت ما يجب وعلى الوجه الذي يجب، ولا ينفقه إلا على ذلك، فهو يحاسب نفسه فلا يحاسب، ولهذا ما روي: " من حاسب نفسه في الدنيا أمن الحساب في القيامة "، وعلى هذا قال لسليمان: هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ أي: تحر فيما أعطيناك الوجه الذي لا تبعة فيه عليك ولا حساب، الثامن: أن الله عز وجل- يقابل المؤمني في القيامة لا بقدر استحقاقهم، بل بأكثر منه كما قال: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ.
التاسع: وهو يقارب ذلك إن ذلك إشارة إلى ما روي أن أهل الجنة لا خطر عليهم، وعلى ذلك قوله تعالى: وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ، وقوله: فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، وأما تعلقه بما تقدم، فعلى بعض هذه التفاسير يتعلق بالذين كفروا، وعلى بعضه يتعلق بالذين آمنوا..
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار