)زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ ) ( البقرة : ٢١٢ )
التفسير :
قوله تعالى : زين مبني لما لم يسم فاعله ؛ ونائب الفاعل الحياة الدنيا ؛ والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان، أو في سمعه، أو في مذاقه، أو في فكره ؛ المهم أن أصل التزيين جعل الشيء بهياً جميلاً جذاباً ؛ والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى : إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم [ النمل : ٤ ] ؛ وإما أن يكون الشيطان ؛ لقوله تعالى : وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل [ النمل : ٢٤ ] ؛ ولا منافاة بين الأمرين ؛ فإن الله زين لهم سوء أعمالهم ؛ لأنهم أساءوا، كما يفيده قوله تعالى : فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم [ الصف : ٥ ] ؛ والتزيين من الله باعتبار التقدير ؛ أما الذي باشر التزيين، ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان.
قوله تعالى : للذين كفروا ، وفي آية أخرى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة... [ آل عمران : ١٤ ] إلخ ؛ فإما أن نحمل «الناس » على الذين كفروا ، ونقول : هو عام أريد به الخاص ؛ أو نقول : إن ذكر بعض ألفاظ العام لا يقتضي التخصيص ؛ فيكون زين للناس عموماً ؛ وهنا ذكر الله تعالى تزيينه لبعض أفراد هذا الجنس وهم «الذين كفروا ».
قوله تعالى : الحياة الدنيا يعني ما فيها من الشهوات، والملذات ؛ وقد بين الله ذلك بقوله تعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب [ آل عمران : ١٤ ] ؛ و الدنيا فُعلى - يعني أنه اسم تفضيل مؤنث مأخوذة من الدنو الذي هو ضد العلو - ؛ ووصفت هذه الحياة بالدنيا لوجهين : الأول : دنوّ مرتبتها ؛ الثاني : سبقها على الآخرة ؛ فهي أدنى منها لقربها، ودنوّ منزلتها ؛ أما قربها وهو سبقها على الآخرة فظاهر معلوم لكل أحد ؛ وأما دنوّ مرتبتها فلقول الرسول صلى الله عليه وسلم :«لموضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها »١ ؛ وموضع السوط مقدار متر تقريباً.
قوله تعالى : ويسخرون من الذين آمنوا ؛ هذه الجملة يقولون : إنها حالية ؛ يعني : زينت لهم والحال أنهم يسخرون من الذين آمنوا ؛ و يسخرون يعني يجعلونهم محل سخرية، وازدراء، واحتقار ؛ إما لِما يقومون به من الأعمال الصالحة ؛ وإما لكونهم لم يؤتوا من الدنيا ما أوتي هؤلاء - على زعمهم -، كما قال تعالى : إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون * وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين * وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون [ المطففين : ٢٩ - ٣٢ ].
قوله تعالى : والذين اتقوا أي اتقوا ربهم عزّ وجلّ ؛ و «التقوى » كثيراً ما ترد في القرآن الكريم ؛ وهي اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، عن علم وبصيرة.
قوله تعالى : فوقهم يوم القيامة أي فوقهم مرتبة، ومنزلة ؛ وهذا ما أعاضهم الله به، حيث كان أولئك الذين كفروا يسخرون بهم في الدنيا، فجعلهم الله فوقهم يوم القيامة ؛ وهذا كقوله تعالى : فاليوم الذين آمنوا من الكفار يضحكون * على الأرائك ينظرون [ المطففين : ٣٤، ٣٥ ] قوله تعالى : والله يرزق من يشاء بغير حساب أي يعطي من يشاء من فضله بغير محاسبة على ذلك ؛ فهم يأخذون أجرهم يوم القيامة مجاناً ؛ لأن العوض قد سبق ؛ ويحتمل أن المعنى بغير تقدير - أي لا يقدَّر لهم ذلك - ؛ بل يعطون ما تشتهيه أنفسهم، كما قال تبارك وتعالى : إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون [ الانشقاق : ٢٥ ] أي غير مقطوع ؛ لأن رزق الله لا نهاية له لا سيما الرزق في الآخرة.
الفوائد :
١ - من فوائد الآية : انخداع الكافرين بالحياة الدنيا ؛ لقوله تعالى : زين للذين كفروا الحياة الدنيا .
٢ - ومنها : أن الكفار عاشقون لها، وأنها هي همهم، وغرضهم ؛ لأن ما زين للشخص فلا بد أن يكون الشخص مهتماً به طالباً له.
٣ - ومنها : أن المؤمنين ليست الدنيا في أعينهم شيئاً ؛ لقوله تعالى : للذين كفروا ؛ ولهذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم إذا رأى ما يعجبه في الدنيا يقول :«لبيك ! إن العيش عيش الآخرة »٢ لتوجيه النفس إلى إجابة الله ؛ لا إلى إجابة رغبتها، ثم يقنع النفس أيضاً : أني ما صددتك وأجبت الرب عزّ وجلّ إلا لخير ؛ لأن العيش عيش الآخرة ؛ والعجيب أن من طلب عيش الآخرة طاب له عيش الدنيا ؛ ومن طلب عيش الدنيا ضاعت عليه الدنيا والآخرة ؛ قال الله تعالى : قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة [ الزمر : ١٥ ] ؛ هذه هي الخسارة : خسروا أنفسهم ؛ لأن مآلهم النار - والعياذ بالله - ؛ وأهلوهم أيضاً الذين في النار لا يهتم بعضهم ببعض ؛ كل - والعياذ بالله - شقيّ فيما هو فيه ؛ والحاصل أنا نقول : ينبغي لكل إنسان حين يرى في الدنيا ما يعجبه أن يقول كما قال الرسول صلى الله عليه وسلم.
٤ - ومن فوائد الآية : حقارة الدنيا ؛ لوصفها بالدنيا ؛ وهي من الدنوّ زمناً، ورتبة ؛ زمناً ؛ لأنها قبل الآخرة ؛ ورتبة ؛ لأنها قليل بالنسبة للآخرة ؛ ولهذا لا تجد في الدنيا حال سرور إلا مشوباً بتنغيص قبله، وبعده ؛ لكن هذا التنغيص بالنسبة للمؤمن خير ؛ لأن له فيه أجراً، كما أخبر الرسول صلى الله عليه وسلم في قوله :«عجباً للمؤمن إن أمره كله خير ؛ إن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له ؛ وإن أصابته سراء شكر فكان خيراً له »٣ ؛ والمؤمن إذا ابتلي بالبلاء الجسمي، أو النفسي يقول : هذه نعمة من الله يكفِّر الله بها عني سيئاتي ؛ فإذا أحس هذا الإحساس صار هذا الألم نعمة ؛ لأن الإنسان خطّاء دائماً ؛ وهذه الأشياء لا شك أنها - والحمد لله - تكفير للسيئات ؛ فإن صبر واحتسب صارت رفعة للدرجات ؛ فالآلام، والبلايا، والهم، والغم، تكفير بكل حال ؛ ولكن مع الصبر والاحتساب يكون عملاً صالحاً يثاب عليه، ويؤجر عليه.
٥ - ومن فوائد الآية : أن لا نركن إلى هذه الحياة، ونطمئن إليها ؛ بل نجعل همتنا منصرفة إلى الدار الآخرة ؛ وهذا لا ينافي أن نتمتع وننعم بما أحل الله لنا مع الاستقامة في ديننا.
٦ - ومنها : أن الكفار لا يزالون يسلطون أنفسهم على المؤمنين ؛ لقوله تعالى : ويسخرون بالفعل المضارع ؛ لأن المضارع يدل على الاستمرار، والحال، والاستقبال ؛ فهم دائماً في سخرية من الذين آمنوا.
٧ - ومنها : أن العبرة بكمال النهاية ؛ لقوله تعالى : والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة .
٨ - ومنها : تثبيت المؤمنين، وترسيخ أقدامهم في إيمانهم ؛ لقوله تعالى : ويسخرون من الذين آمنوا يعني : اصبروا ؛ فإن هذا دأبهم وشأنهم أن يسخروا منكم ؛ فما دمتم تعرفون أن هذه عادة الكفار فإن الإنسان يصبر ؛ إذا عرف الإنسان أن هذا شيء لا بد منه يكون مستعداً له، وقابلاً له، وغير متأثر.
٩ - ومنها : البشرى للمؤمنين الذين اتقوا أنهم فوق الكفار يوم القيامة.
١٠ - ومنها : إثبات أفعال الله سبحانه وتعالى المتعلقة بمشيئته ؛ لقوله تعالى : والله يرزق من يشاء فتسمى هذه الأفعال في كتب العقائد الأفعال الاختيارية - يعني المتعلقة بمشيئة الله - ؛ وهي ثابتة لله عزّ وجلّ على وجه الحقيقة ؛ وأمثلتها في القرآن كثيرة.
١١ - ومنها : إثبات المشيئة لله ؛ وكل ما في الكون واقع بمشيئة الله ؛ والمشيئة تختلف عن الإرادة بأنها لا تنقسم إلى كونية، وشرعية ؛ بل هي كونية محضة ؛ فما شاء الله كان ؛ وما لم يشأ لم يكن سواء كان مما يحبه، أو مما لا يحبه ؛ قوله تعالى : من يشأ الله يضلله [ الأنعام : ٣٩ ] ؛ فهذا لا يحبه ؛ وقوله تعالى : ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم [ الأنعام : ٣٩ ] : فهذا يحبه ؛ وكل فعل علقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة ؛ ودليل ذلك سمعي، وعقلي ؛ فمن السمع : وما تشاءون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً [ الإنسان : ٣ ] ؛ فدل هذا على أن مشيئته مقرونة بالحكمة ؛ وأما العقل فلأن الله سبحانه وتعالى سمى نفسه بأنه «حكيم » ؛ والحكيم لا يصدر منه شيء إلا وهو موافق للحكمة.
١٢ - ومن فوائد الآية : كثرة رزق الله عزّ وجلّ ؛ لقوله تعالى : بغير حساب بمعنى أنه يعطي عطاءً لا يبلغه الحساب، كما قال تعالى : والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم [ البقرة : ٢٦١ ].
٢ أخرجه الشافعي في مسنده ١/٣٠٤، حديث رقم ٧٩٢، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٧/٤٨، باب : كان إذا رأى شيئاً يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة، حديث ١٣١٠٠، أخرجه البيهقي بسنده إلى الشافعي، والحديث مرسل لأنه عن مجاهد أنه قال كان النبي صلى الله عليه وسلم... ، الحديث..
٣ أخرجه مسلم ص١١٩٦، كتاب الزهد والرقائق، باب ١٣: المؤمن أمره كله خير، حديث رقم ٧٥٠٠ [٦٤] ٢٩٩٩..
تفسير القرآن الكريم
محمد بن صالح بن محمد عثيمين المقبل الوهيبي التميمي