ﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

ولمّا أمر الحق تعالى بالنفقة في الجهاد وغيره، سألوا ما الذي ينفقون ؟، فبيَّن الله تعالى لهم المنفَق والمحل الذي تُدفع فيه، فقال :
يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَآ أَنْفَقْتُمْ مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ
قلت : ماذا إما مفعول يُنفقون ، أو مبتدأ وخبر بحذف العائد، أي : ما الذي ينفقونه، والسائل هو عمرو بن الجُموح، كان ذا مال فقال : يا رسول الله، ماذا ننفق من أموالنا، وأين نضعها ؟ فنزلت الآية.
يقول الحقّ جلّ جلاله : يسألونك يا محمد ماذا ينفقون من أموالهم ؟ قل لهم : ما أنفقتم من خير أيّ خير كان، ذهباً أو فضة أو طعاماً أو ثياباً أو حيواناً أو غير ذلك، فادفعوه للأهمّ فالأهم ؛ كالوالدين والأقربين ؛ لأن فيهم الصلة والصدقة، واليتامى الذين مات آباؤهم ؛ لهضم حالهم، والمساكين ؛ لضعفهم، وابن السبيل ؛ لغربته واحتياجه إلى ما يُبلِّغه إلى وطنه، وما تفعلوا من خير يجازيكم به الله، فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم، وهذه النفقة غير الزكاة، فلا نسخ في الآية. الله تعالى أعلم.
الإشارة : الإنفاق على قسمين : حسيّ ومعنوي، والإنفاق الحسيّ هو بذل الأموال والفلوس، والإنفاق المعنوي هو بذل الأرواح والنفوس، فمن بذل أمواله لله عوضه الله جنة الزخارف، ومن بذل نفسه لله عوضه الله جنة المعارف، ومن دخل جنة المعارف لا يشتاق إلى جنة الزخارف، وكما أن لنفقة الأموال محلاً تُصرف فيه، كما ذكره الحقّ تعالى هنا، كذلك لنفقة النفوس محل تصرف فيه ؛ وهو خدمة الشيوخ العارفين بالله، والإخوان الذين يستعين بهم على الوصول إلى الله، وكذلك من احتاج إليه من اليتامى الذين لا شيخ لهم، فيرشدهم وينصحهم، والمساكين الضعفاء الذين لا قدرة لهم على مجاهدة نفوسهم، فيقويهم بحاله أو مقاله، والغريب الذي انفرد عن الإخوان، ولم يجد ما يستعين به على سيره فيرشده إلى الصحبة والاجتماع بأهل المحبة، وإلى هذا المنزع أشار الشيخ أبو مدين رضي الله عنه :

وَبالتغنِّي عَلى الإخوَانِ جُدْ أبَدا حِسّاً ومعنىً، وغُضَّ الطَّرْفَ إنْ عَثَرَا

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير