يقول الذين آمنوا متى نصر الله، فيقول الرسول: ألا إن نصر الله قريب، وإنما قلنا إنه كذلك؛ لأن الرسول لا يشبهه (١) أن يقول: متى نصر الله، وهذا حسن (لمن) (٢) تأمله، وذكر عبد الملك بن محمد الصدفي في هذه الآية، يرفعه إلى النبي - ﷺ -، "أن نبيًا من الأنبياء سأل ربه السعة في الرزق، فأوحى الله إليه: أما يكفيك أني عصمتك أن تكفرني حتى تسألني السعة في الرزق، ولو رضي الله الدنيا لأحد من أوليائه ما نال فيها كافر جرعة ماء، ولكن الله تعالى لم يجعلها ثوابًا لمؤمن ولا عقابًا لكافر"، وقد قال الله تعالى: وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤) [العنكبوت: ٦٤]. يريد: الجنة لا موت فيها ولا نصبَ ولا تَعَبَ ولا هَرَمَ ولا سَقَم ولا هَمّ ولا حَزَنَ ولا شيءَ من الضر.
٢١٥ - قوله تعالى: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ الآية، قال عطاء عن ابن عباس (٣): نزلت الآية في رجل أتى النبي - ﷺ - فقال: إن لي دينارًا؟ فقال: "أنفقه على نفسك" فقال: إن لي دينارين! فقال: "أنفقهما على أهلك"، فقال: إن لي ثلاثة؟ فقال: "أنفقها على خادمك"، فقال: إن لي أربعة؟ قال (٤): "أنفقها على والديك"، وقال: إن لي خمسة؟ قال: "أنفقها على قرابتك"، قال: إن لي ستة؟ قال: "أنفقها في سبيل الله، وهو أخسها".
وروي من طريق الكلبي عن ابن عباس: أن الآية نزلت في عمرو بن
(٢) ساقطة من (ش).
(٣) تقدم الحديث عن رواية عطاء في المقدمة، وقد ذكره في "زاد المسير" ١/ ٢٣٣، والرازي في "تفسيره" ٢/ ٢٤.
(٤) (فقال) في (ي). في جميع المواضيع.
الجموح الأنصاري (١)، وهو الذي قتل يوم أحد، وكان شيخًا كبيرًا هرمًا، وعنده مال عظيم، فقال: ماذا ننفق من أموالنا وأين نضعها؟ (فنزلت) (٢) يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ الآية (٣)، ومعنى السؤال طلب الجواب.
وقوله تعالى: مَاذَا يُنْفِقُونَ في محل (ماذا) من الإعراب قولان:
أحدهما: أن تجعل (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، ويكون الموضع نصبًا بـ (ينفقون) المعنى: يسألونك أي شيء ينفقون، ومثل جعلهم (ماذا) بمنزلة اسم واحد قول الشاعر:
| دَعِيْ مَاذا عَلِمْتُ سَأَتَّقِيْهِ | ولكن بالمغِيبِ ينبّئُنِي (٤) |
وعمرو، هو عمرو بن الجموح بن زيد بن حرام الخزرجي الأنصاري، شهد العقبة وبدرًا في رواية، وجعله النبي - ﷺ - سيد بني سلمة، وشهد أحدا، وكان أعرج شديد العرجة، واستشهد بها. ينظر: "معرفة الصحابة" لأبي نعيم ٤/ ١٩٨٤، "الاستيعاب" ٣/ ٢٥٣.
(٢) في (ي) (فأنزل الله).
(٣) ذكره الثعلبي بغير إسناد ٢/ ٣٣٧، وعنه نقل الحافظ ابن حجر في "العجاب" ١/ ٥٣٤، وعزاه من طريق أبي صالح عن ابن عباس: الواحدي في "أسباب النزول" ص ٦٩، وابن الجوزي في "زاد المسير" ١/ ٢٣٣، وعزاه الواحدي في "الوسيط" ١/ ٣١٨، وعنه الفخر الرازي في "تفسيره" ٦/ ٢٠ إلى رواية الكلبي عن ابن عباس ٦/ ٢٤. وهو قول مقاتل بن سليمان كما في "تفسيره" ١/ وقول مقاتل بن حيان، نسبه إليه ابن المنذر كما في "الدر المنثور" ١/ ٤٣٧.
(٤) البيت للمثقب العبدي، في "ديوانه" ص ٢١٣، ولمزرد بن ضرار في "ديوانه" ينظر: "المعجم المفصل" ٨/ ٢٥٠.
فلا يكون (ذا) مع (ما) إلا بمنزلة شيء واحد، كأنه قال: دعي الذي علمت، لأن (دَعِي) لا يتعلق بالجملة كما يتعلق السؤال، لو قلت: سَألُته أزيدٌ في الدار أم عمرو؟ صَحَّ، ولو قلت: دعي أزيد في الدار أم عمرو، لم يصح على ذلك الحد من غير حذف، والعرب تقول: عماذا تسأل؟ بإثبات الألف في (ما)، فلولا أن (ما) مع (ذا) بمنزلة اسم واحد لقالوا: عمذا (١) تسأل، بحذف الألف، كما حذفوها من قوله: عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ [النبأ: ١] و فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا [النازعات: ٤٣] فلما لم يحذفوا الألف من آخر (ما) (٢) علمت أنه مع (ذا) بمنزلة اسم واحد، فلم تحذف الألفُ منه، لما لم يكن آخر الاسم، والحذف يلحقها إذا كانت آخرًا، إلا أن تكون في شعرٍ، كقول الشاعر:
| عَلَى ما قام يشتمني لئيمٌ | كخنزيرٍ تَمَرَّغَ في دَمَاني (٣) |
| يا خُزْرَ تَغْلِبَ ماذا بالُ (٤) نِسوتِكم | لا يَسْتَفِقْنَ إلى الدَّيرين تَحْنَانا (٥) |
(٢) ساقطة من (ي).
(٣) البيت لحسان بن ثابت، قاله في هجو بني عابد. ينظر: "الحجة" ٢/ ٣١٧ "شرح أبيات المغني" ٥/ ٢٢٠ "الخزانة" ٢/ ٥٣٧، "أمالي ابن الشجري" ٢/ ٢٣٣، "الشافية" ٤/ ٢٢٤، وابن يعيش ٤/ ٩، والعيني ٤/ ٥٥٤. والدمان كالرماد وزنًا ومعنى.
(٤) (قال) في (ي).
(٥) البيت لجرير يهجو الأخطل ينظر: "ديوانه" ص ١٦٧. و"الحجة" ٢/ ٣١٧.
استعمال (ما) من غير أن ينضم إليها (ذا)، ألا ترى أنك لو حملت (ذا) على الذي في هذا البيت لم يَسْهُلْ: ما الذي بال نسوتكم؟ لأن المستعمل: ما بالُك، دون: ما الذي بالك (١).
القول الثاني: أن تجعل (ذا) اسمًا يرفع (ما) كأنك قلت: ما الذي ينفقون؟ يعنى: أيَّ شيء الذي ينفقون، فيكون (ما) رفعًا بالابتداء و (ذا) خبرُها، والعرب قد تذهب بهذا وذا إلى معنى الذي، فيقولون: ومن ذا يقول (٢) ذاك، في معنى من الذي، وأنشدوا:
| عَدَسْ ما لِعَبّادٍ عَلَيْكِ إمَارَةٌ | أَمِنْتِ وَهَذَا تَحْمِليَن طَلِيقُ (٣) |
وقد (٥) مضى صدر من الكلام في (ماذا) عند قوله: مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا [البقرة: ٢٦].
وقوله تعالى: قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ هذا جواب لسؤالهم. فإن (قيل): هذا الجواب لا يُطَابِقُ السُّؤَال، وما الجواب المطابق لهذا السؤال؟
(٢) (يكون) في (م).
(٣) البيت ليزيد بن مفرغ الحميري قاله في عباد بن زياد، وكان يزيد قد أكثر من هجوه، حتى حبسه وضيق عليه، حتى خوطب في أمره معاوية، فأمر بإطلاق سراحه،. فلما خرج من السجن قدمت له بغلة فركبها فنفرت فقال هذا الشعر، في "ديوانه" ص١٧٠، "لسان العرب" ٥/ ٢٨٣٧ "عدس" وعدس: اسم صوت لزجر البغل.
(٤) من "معاني القرآن" للفراء ١/ ١٣٨ - ١٣٩.
(٥) ينظر في إعراب الآية: "إعراب القرآن" للنحاس ١/ ٣٠٦، "تفسير الثعلبي" ٢/ ٧٣٧، "مشكل إعراب القرآن" ١/ ١٢٧، "التبيان" ص ١٣١، قال: وموضع الجملة نصب بيسألون على المذهبين. "البحر المحيط" ٢/ ١٤٢.
قيل: الجواب المطابق أن يقال: قل النفقة التي هي خير، وإنما عدل عن المطابق لحاجة السائل إلى بيان بجمع الدلالة على ما سأل وعلى غيره. ويحسن من المعلم الحكيم الذي يعلم الناس ويبصرهم أن يضمن الجواب مع الدلالة على المسؤول عنه، الدلالة على ما يحتاج إليه السائل في ذلك المعنى مما أغفله وترك السؤال عنه، فأما الجدل الذي يضايق فيه الخصم فالأصل فيه أن يكون الجواب على قدر السؤال من غير زيادة ولا نقصان ولا عدول عما يوجبه نفس السؤال.
وقوله تعالى: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ جزم وَمَا تَفْعَلُوا بالشرط، واسم الشرط وموضع وَمَا نصبٌ بـ تَفْعَلُوا، وجواب الشرط قوله: فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (١) ومعناه: (أنه يحصيه) (٢) ويجازي عليه.
قال ابن الأنباري: إن عمرو بن الجموح سأل رسول الله - ﷺ - عن الصدقة لمن (٣) يخص (٤) بها عند الموت، فأنزل الله عز وجل هذه الآية قبل آية المواريث، فلما نزلت آية المواريث نسخت من هذه التصدق على الوالدين.
ويقال: إن الإنفاق في هذه الآية لا يراد به الصدقة عند الموت، إنما يراد (٥) به النفع في الدنيا، والإيثار بما يتقرب به الإنسان إلى الله تعالى،
(٢) ساقط من (ش).
(٣) (لما) في (ي).
(٤) (نخص) في (ي) و (ش).
(٥) (أراد) في (ش).
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي