ﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾﯿﰀﰁﰂﰃﰄﰅﰆﰇﰈﰉﰊﰋﰌ

أنه دون الصحابة إيمانا ودعوة إلى الحق وصبرا على المكاره في سبيل الله) حين يؤثر ما عند الناس على ما عند الله، ولا همّ له إلا زينة الدنيا والاستكثار من المال ولو من غير الطريق الحلال، والاعتداء على الناس، والبغي في الأرض.
وقصارى القول- إن للإيمان حقوقا وواجبات تؤدى إلى سعادة الدارين، من أهملها سلب النعمة التي أنعم بها على السابقين، فعلى المسلم أن يجعل همه تطبيق آي كتاب الله على أعماله، وأن يعرض عن الاحتفال بعيوب الناس، وأن يتعاون مع المؤمنين على البرّ والتقوى، ويهجر من رغب عنها، اكتفاء بزخرف الدنيا وزينتها.
[سورة البقرة (٢) : آية ٢١٥]
يَسْئَلُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
تفسير المفردات
الخير هنا: هو المال، وسمى به لأن حقه أن ينفق في وجوهه، والأقربون:
هم الأولاد وأولادهم ثم الإخوة.
المعنى الجملي
بعد أن ذكر فيما سلف أن حب الناس لزينة الحياة الدنيا هو الذي أغراهم بالشقاق والخلاف، وأن أهل الحق هم الذين يتحملون البأساء والضرّاء في أموالهم وأنفسهم ابتغاء مرضاة الله، ناسب أن يذكر هنا ما يرغب الإنسان في الإنفاق في ذلك السبيل، ومن المعلوم أن بذل المال كبذل النفس، كلاهما من آيات الإيمان، فالسامع لما تقدم تتوجه نفسه إلى البذل فيسأل عن طريقه، ومن ثم جاء بعده السؤال مقرونا بالجواب:

صفحة رقم 129

روى في أسباب النزول عن ابن عباس، أن ابن الجموح- وكان شيخا كبيرا وله مال عظيم- سأل رسول الله ﷺ قال: يا رسول الله، بماذا نتصدق وعلى من ننفق؟ فنزلت الآية.
وروى أحمد والنسائي عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: تصدّقوا فقال رجل: عندى دينار، قال: تصدّق به على نفسك، قال: عندى دينار آخر، قال:
تصدق به على زوجتك، قال: عندى دينار آخر، قال: تصدق به على ولدك، قال:
عندى دينار آخر، قال: تصدق به على خادمك، قال: عندي دينار آخر، قال: أنت أبصر به.
الإيضاح
(يسئلونك ماذا ينفقون) أي أىّ شىء يتصدقون به من أصناف أموالهم؟
(قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ) أي قل لهم: على المنفق أن يقدم الوالدين لأنهما قد ربياه صغيرا وتعبا في تنشئته، ثم الأولاد وأولادهم، ثم الإخوة لأنهم أولى الناس بعطفه ورعايته، ولأنه إذا تركهم يحتاجون إلى غيره كان في ذلك عار وشنار عليه، ثم اليتامى لعدم قدرتهم على الكسب لصغر سنهم، ثم المساكين وأبناء السبيل للتكافل العام بين المسلمين، فهم أعضاء أسرة واحدة فيجب أن يتعاونوا في السرّاء والضرّاء.
وقد جاءت الآية في بيان نفقة التطوع لا في الزكاة المفروضة، لأنها لم تعين مقدار المنفق، والزكاة الشرعية معينة المقدار بالإجماع، ولم يذكر سبحانه السائلين والرقاب لذكرهما في مواضع أخرى.
(وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) أي وما تنفقوه في وجوه البرّ والطاعة في أي زمان وأىّ مكان على الأصناف المذكورة أو غيرها، فالله عليم به لا يغيب عنه شىء، فلا ينسى المثوبة والجزاء عليه، بل يضاعف عليه الجزاء.

صفحة رقم 130

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

أحمد بن مصطفى المراغي

الناشر شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابى الحلبي وأولاده بمصر
الطبعة الأولى، 1365 ه - 1946 م
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية