قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم الآية. قد قيل : فيه وجهان، أحدهما : أن تجعل يمينه مانعة من البر والتقوى والإصلاح بين الناس، فإذا طلب منه ذلك قال :" قد حلفتُ " فيجعل اليمين معترضة بينه وبين ما هو مندوب إليه أو هو مأمورٌ به من البرِّ والتقوى والإصلاح، فإن حلف حالفٌ أن لا يفعل ذلك فليفعلْ وليَدَعْ يمينه. ويُرْوَى ذلك عن مجاهد وسعيد بن جبير وإبراهيم والحسن وطاوس، وهو نظير قوله تعالى : ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله [ النور : ٢٢ ]. ورَوَى أشعثُ عن ابن سيرين قال : حلف أبو بكر في يتيمين كانا في حجره كانا فيمن خاض في أمر عائشة، أحدهما مِسْطَحٌ وقد شهد بدراً، أن لا يصلهما وأن لا يصيبا منه خيراً، فنزلت هذه الآية : ولا يأتل أولوا الفضل منكم [ النور : ٢٢ ] فكسا أحدهما وحمل الآخر. وقد ورد معناه في السنَّة أيضاً. وقد روى أنس بن مالك وعديّ بن حاتم وأبو هريرة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال :" مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمين فَرَأى غَيْرَها خَيْراً مِنْها فلْيأتِ الَّذي هُوَ خَيْرٌ ولْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ " وهذا هو معنى قوله تعالى : ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم على التأويل الذي ذكرنا ؛ لأن معناه على هذا التأويل : أن لا يمنع بيمينه من فعل ما هو خير بل يفعل الذي هو خير ويدع يمينه. والوجه الثاني : أن يكون قوله : عرضة لأيمانكم يريد به كثرة الحلف، وهو ضَرْبٌ من الجرأة على الله تعالى وابتذالٌ لاسمه في كل حقّ وباطل، لأن تبرّوا في الحلف بها وتتقوا المأثم فيها. ورُويَ نحوه عن عائشة، مَنْ أكثر ذكر شيء فقد جَعَلَه عُرْضَةً، يقول القائل : قد جعلني عُرْضَةً للّوْمِ، وقال الشاعر :
* لا تَجْعَلِيني عُرْضَةَ اللّوائِم *
وقد ذم الله تعالى مُكْثِرِي الحلف بقوله : ولا تطع كل حلاّف مهين [ القلم : ١٠ ] فالمعنى : لا تعترضوا اسم الله وتبذلوه في كل شيء لأن تبرّوا إذا حلفتم وتتقوا المأثم فيها إذا قلّت أيمانكم، لأن كثرتها تبعد من البر والتقوى وتقرّب من المآثم والجرأة على الله تعالى. فكأن المعنى : أن الله ينهاكم عن كثرة الأيمان والجرأة على الله تعالى لِمَا في توقّي ذلك من البر والتقوى والإصلاح فتكونون بررة أتقياء، لقوله : كنتم خير أمة أخرجت للناس [ آل عمران : ١١٠ ]. وإذا كانت الآية محتملةً للمعنيين وليسا متضادّين، فالواجب حملها عليهما جميعاً، فتكون مُفيدةً لحظر ابتذاله اسْمَ الله تعالى واعتراضه باليمين في كل شيء حقّاً كان أو باطلاً، ويكون مع ذلك محظوراً عليه أن يجعل يمينه عُرْضَةً مانعةً من البر والتقوى والإصلاح وإن لم يكثر، بل الواجب عليه أن لا يكثر اليمين، ومتى حلف لم يحتجر بيمينه عن فعل ما حلف عليه إذا كان طاعة وبرّاً وتقوى وإصلاحاً، كما قال صلى الله عليه وسلم :" مَنْ حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليأت الذي هو خير وليكفِّرْ عن يمينه ".
أحكام القرآن
الجصاص