والتعريضات المستحسنة، وهذه وأشباهها في كلام الله آداب حسنة، على المؤمنين أن يتعلموها، ويتأدبوا بها، ويتكلفوا مثلها في محاوراتهم ومكاتباتهم «١».
وقوله تعالى: وَاتَّقُوا اللَّهَ تحذير، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ خبر يقتضي المبالغة في التحذير، أي فهو مجازيكم على البر والإثم.
روى مسلم عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وهو يخطب يقول: «إنكم ملاقو الله حفاة عراة مشاة غرلا «٢»، ثم تلا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: وَاتَّقُوا اللَّهَ، وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ.
الحلف بالله ويمين اللغو
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٢٢٤ الى ٢٢٥]
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤) لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)
الإعراب:
وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ عُرْضَةً: منصوب مفعول ثاني لتجعلوا.
أَنْ تَبَرُّوا فيه ثلاثة أوجه: النّصب والجر والرفع.
فأما النصب: فعلى تقدير: ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم لئلا تبروا، فحذفت لا، أو كراهة أن تبروا، والتقدير الثاني أولى، لأن حذف المضاف أكثر في كلامهم من حذف «لا».
وأما الجرّ: فعلى تقدير حرف الجر وإعماله، لأنه يحذف مع «أن» كثيرا، لطول الكلام.
(٢) الغرل: هو الأقلف الذي لم يختن.
وأما الرفع: فعلى أن تكون: أن وصلتها مبتدأ، وخبره محذوف، وتقديره: أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس أمثل وأولى من تركها.
المفردات اللغوية:
عُرْضَةً هي المانع المعترض دون الشيء. لِأَيْمانِكُمْ أي ما حلفتم «١» عليه من البر والتقوى والإصلاح، ويكون: أَنْ تَبَرُّوا بدلا من أيمانكم، ويكون المعنى: لا تجعلوا الله مانعا من البر، وهذا المعنى موافق
لخبر الصحيحين في قوله صلّى الله عليه وسلّم: «من حلف على يمين، فرأى غيرها خيرا منها، فليأت الذي هو خير، وليكفّر عن يمينه».
وهناك معنى آخر هو: لا تجعلوا الحلف بالله معرّضا لأيمانكم، تبتذلونه بكثرة الحلف به، ويكون أَنْ تَبَرُّوا علّة للنهي، أي أن لا تبروا أو إرادة أن تبروا وتتقوا وتصلحوا، لأن الحلّاف مجترئ على الله، غير معظم له، فلا يكون برّا متقيا، ولا يثق به الناس، وعلى هذا تكون الآية نهيا عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان. وَاللَّهُ سَمِيعٌ لأقوالكم. عَلِيمٌ بأحوالكم.
بِاللَّغْوِ هو اليمين الذي لا قصد فيه ولا نيّة، كأن يجري على لسانه: إي والله، ولا والله، وبلى والله، من غير قصد اليمين، وإنما يسبق إليه اللسان عادة، فلا مؤاخذة فيه بكفارة ولا إثم ولا بعقوبة. واليمين اللغو عند أبي حنيفة: أن يحلف على ظن شيء أنه حصل، ثم يظهر خلافه.
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ أي قصدته من الأيمان إذا حنثتم، وهو مثل قوله تعالى:
وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ [المائدة ٥/ ٨٩]. وَاللَّهُ غَفُورٌ ليمين اللغو. حَلِيمٌ يؤخر العقوبة عن مستحقها.
سبب النزول: نزول الآية (٢٢٤) :
روى ابن جرير الطبري عن ابن جريج، أن قوله تعالى: وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمانِكُمْ نزلت بسبب أبي بكر الصديق إذ حلف ألا ينفق على مسطح، حين خاض مع المنافقين في حديث الإفك وتكلم في عائشة رضي الله عنها، وفيه
نزل: وَلا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبى [النور ٢٤/ ٢٢].
وقال الكلبي: نزلت في عبد الله بن رواحة، حين حلف ألا يكلم ختنه زوج أخته (صهره) : بشير بن النعمان، وألا يدخل عليه أبدا، ولا يصلح بينه وبين امرأته، ويقول: قد حلفت بالله أن لا أفعل، ولا يحلّ إلا أن أبرّ في يميني، فأنزل الله تعالى هذه الآية «١».
المناسبة:
أمر تعالى في الآية السابقة بتقوى الله وحذّر من معصيته، ونبّه هنا على أن مما يتّقى ويحذر منه: أن يجعل اسم الله مانعا من البرّ والتقوى.
وقال العلماء أيضا: لما أمر الله تعالى بالإنفاق وصحبة الأيتام والنساء بجميل المعاشرة، قال: لا تمتنعوا عن شيء من المكارم تعلّلا بأنّا حلفنا ألا نفعل كذا.
التفسير والبيان:
للآية معنيان: الأول- إذا حلف الشخص ألا يفعل خيرا من صلة رحم أو صدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس أو عبادة ونحوها، فلا يكون الحلف بالله مانعا من المحلوف عليه من برّ وتقوى، وما على المؤمن إذا أراد أن يفعل البر والخير إلا أن يكفّر عن يمينه ويفعل المحلوف عليه، كما جاء في
قوله صلّى الله عليه وسلّم لعبد الرحمن بن سمرة- فيما رواه أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه-: «إذا حلفت على يمين، ورأيت غيرها خيرا منها، فأت الذي هو خير، وكفّر عن يمينك»
فتكون الآية لرفع الحرج عن الحالفين بالله إذا أرادوا فعل الخير.
والمعنى الثاني: لا تتعرّضوا كثيرا للحلف بالله من أجل إرادة البرّ والتقوى والإصلاح بين الناس، لما في كثرة الحلف بالله من استخفاف واستهانة وتجرؤ على الله، وعلى المؤمن تعظيم الله تعالى وتوقيره، والابتعاد عن اليمين قدر الإمكان، سواء أكان الحالف صادقا أم كاذبا، فكان صاحب الورع مثل عمر والشافعي لا يحلف بالله ذاكرا ولا آثرا عن غيره، فتكون الآية للنهي عن كثرة الحلف بالله، وابتذاله في الأيمان، توفيرا للثقة بكلام المتكلم بدون يمين، قال الله تعالى:
وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ [القلم ١٠٦٨].
هذا في اليمين المنعقدة التي يلزم فيها الكفارة بالحنث فيها: وهي على الموسر: إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد وهو المعسر الفقير فيصوم ثلاثة أيام. وقد أخبر تعالى أنه يؤاخذ على ما كسبت القلوب أي قصدت إيقاع اليمين، والمؤاخذة بالكفارة أو العقوبة عند عدم الكفارة، حتى لا يتخذ اسم الله عرضة للابتذال وتوفيرا لتعظيمه، أو مانعا من صالح الأعمال.
أما اليمين اللغو: فأخبر تعالى أنه لا مؤاخذة ولا عقاب ولا كفارة عليها بالحنث، لصدورها عن غير قصد اليمين، لأن الله غفور لعباده، فلا يؤاخذهم بما لم تقصده قلوبهم، ولم يكلفهم بما يشق عليهم، لحصوله دون اختيار.
ويمين اللغو عند الشافعيّة: هي التي تجري على اللسان دون قصد الحلف، مثل قول الشخص: لا والله، بلى والله. وإن عدم المؤاخذة عليها: هو عدم إيجاب الكفارة بها.
وعند أبي حنيفة ومالك وأحمد: هي أن يحلف على شيء يظنه أنه حصل، ثم يظهر خلافه، وبعبارة أخرى: اللغو: ما يحلف به على الظن، فيكون بخلافه. فهذا لا مؤاخذة فيه، أي لا يجب تكفيره. وأما ما يجري على اللسان من غير قصد فتجب فيه الكفارة.
والظاهر هو الرأي الأول، لأن الله قسم اليمين قسمين: ما كسبه القلب، واللغو. وما كسبه القلب: هو ما قصد إليه، وحيث جعل اللغو مقابله، فيعلم أنه هو الذي لم يقصد إليه. قال المروزي: لغو اليمين التي اتفق العلماء على أنها لغو هو قول الرجل: لا والله، وبلى والله، في حديثه وكلامه غير معتقد لليمين ولا مريدها. وقالت عائشة رضي الله عنها: أيمان اللغو: ما كانت في المراء والهزل والمزاحة والحديث الذي لا ينعقد عليه القلب.
فقه الحياة أو الأحكام:
تعظيم الله تعالى واجب شرعا، والإكثار من اليمين، والحنث فيه يتنافى مع واجب التعظيم لله، وفيه قلة مراعاة لحق الله تعالى، فلا يصحّ جعل الأيمان مبتذلة في كلّ حقّ أو باطل، أو في الصدق أو الكذب.
أما إذا حلف المؤمن معظّما الله تعالى، وكان المحلوف عليه أمرا خيريا، فلا تمنعه اليمين من فعل الخير المحلوف عليه، وعليه أن يكفّر عن يمينه، وهذا نوع من التسامح والتيسير في شرع الله تعالى، حبّا في فعل الخير: من صدقة أو معروف أو صلة رحم أو إصلاح بين الناس.
كما أن من فضل الله تعالى، وتيسيره على الناس، وعدم تكليفهم بالشاق من الأحكام، ودفعا للحرج عنهم، أنه رفع المؤاخذة والإثم والكفارة عن اليمين اللغو، لأنه الغفور الحليم، الرءوف الكريم.
التفسير المنير
وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي