وإن عزموا الطلاق قال مالك والشافعي وأحمد معناه إن لم يفيؤوا بعد الأشهر الأربعة وعزموا الطلاق وطلقوا فإن الله سميع لقولهم بالتطليق عليم لنياتهم، وبناء على هذا التأويل قالوا : لا يقع الطلاق بمجرد مضي الأشهر الأربعة بل يتوقف على تطليقه إذ لو لم يتوقف على تطليقه ويقع الطلاق بمجرد انقضاء الأشهر لا تكون لعزمه على الطلاق معنى ولا يناسبه التذييل بقوله تعالى : إن الله سميع وعلى هذا التأويل ليس الترديد دائرا بين النفي والإثبات وبقي شق ثالث وهو أن لا يفيء ولا يعزم على الطلاق وحكم هذا الشق مسكوت عنه فاختلف فيه قول القائلين بهذا التأويل، فقال أكثرهم : يطلق الحاكم عليه لأن لما امتنع عن الإمساك بالمعروف ينوب الحاكم عنه في التسريح بالإحسان كما في العنين، وفي رواية عن الشافعي وأحمد أنه يضيق الحاكم عليه حتى يطلق، وقال أبو حنيفة : تأويل إن عزموا وقوع الطلاق باستمراده على ترك الفيء حتى انقضى المدة وقع الطلاق به، قالوا لو لم يقع الطلاق به لجاز له الفيء بعد الأشهر فلا يكون لتقييد الفيء بقوله فيهن على قراءة ابن مسعود معنى، ولو قلنا بأنه لا يجوز له الفيء بعد الأشهر وعليه التطليق حتما يلزم خرق الإجماع المركب إذا لم يقل به أحد، على أن الترديد الواقع في الآية يأبى عنه وعلى هذا التأويل معنى قوله تعالى : فإن الله سميع لما يقارن ترك الفيء من المقاولة والمجادلة وحديث النفس به كما يسمع وسوسة الشيطان، أو أنه سميع للإيلاء الذي هو طلاق موقوف على مضي الأشهر الأربعة من غير وطئ عليم بما استمروا عليه من الظلم وفيه معنى الوعيد على ذلك وآثار الصحابة في الباب متعارضة فقد روي عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت وابن مسعود وابن عباس وابن عمر مثل ما قال أبو حنيفة غير أن ما روي عن عمر يدل على الطلقة الرجعية، أخرج الدارقطني عن إسحاق حدثني مسلم بن شهاب عن سعيد بن المسيب وأبي بكر بن عبد الرحمن أن عمر بن الخطاب كان يقول إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة وهوأملك بردها ما دامت في عدتها، وأخرج عبد الرزاق حدثنا معمر عن عطاء الخراساني عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أن عثمان بن عفان وزيد بن ثابت كانا يقولان في الإيلاء إذا مضت أربعة أشهر فهو تطليقة واحدة وهي أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة، وأخرج عبد الرزاق أخبرنا معمر عن قتادة أن عليا وابن مسعود قالا : إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وهي أحق بنفسها وتعتد عدة المطلقة، وأخرج عبد الرزاق حدثنا معمر وابن عيينة عن أبي قلابة قال آلى النعمان من امرأته وكان جالسا عند ابن مسعود فضرب فخذه وقال إذا مضت أربعة أشره فاعترف بتطليقته، وأخرج ابن أبي شيبة حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن حبيب عن سيعد بن جبير عن ابن عباس وابن عمر قالا : إذا آلى فلم يفيء حتى مضت أربعة أشهر فهي تطليقة بائنة، وقد روي عن عثمان وعلي وابن عمر أيضا ما يخالف ذلك ويوافق مذهب الشافعي، وكذا روي عن غيرهم من الصحابة. روى الدارقطني قال حدثنا أبو بكر الميموني قال : ذكر لأحمد بن حنبل حديث عطاء الخراساني عن عثمان قال لا أدري ما هو قد روي عن عثمان خلافه قيل له من رواه قال حبيب بن ثابت عن طاووس عن عثمان، وروى ملك في الموطأ عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن أبي طالب أنه قال : يقول إذا آلى الرجل من امرأته لم يقع عليه الطلاق فإذا مضت الأربعة الأشهر يوقف حتى يطلق أو يفيء، وروى البخاري عن ابن عمر بسنده أنه كان يقول في الإيلاء الذي سمى الله تعالى لا تحل بعد ذلك الأجل إلا أن يمسك بالمعروف أو يعزم بالطلاق كما أمر الله تعالى، وقال البخاري : قال لي إسماعيل بن أويس حدثني مالك عن نافع عن ابن عمر قال : إذا مضت أربعة أشهر يوقف حتى يطلق، وقال الشافعي : حدثنا سفيان عن يحيى بن سعيد عن سليمان بن يسار قال : أدركت بضع عشر رجلا من الصحابة كلهم يقولون يوقف المولى، قلت : وذكر البغوي فيمن ذهب إلى الوقف من الصحابة عمر وأبا الدرداء أيضا، قال ابن همام : ما روينا عن عثمان وزيد بن ثابت أولى مما روى أحمد عن عثمان لأن سندنا جيد موصول بخلاف ما رواه أحمد فإن حال رجاله لا يعرف إلى حبيب وهو أعضله ولا يعلم أن طاووسا أخذ عن عثمان، ورواية محمد بن علي عن علي بن أبي طالب مرسل مثل رواية قتادة عنه وهما متعاصران، وما روينا عن ابن عمر وابن عباس رجاله كلهم أخرج لهم الشيخان في الصحيحين فلا مزية لما في صحيح البخاري عن ابن عمر عليه، قال البغوي وإلى الوقف ذهب من التابعين سعيد بن جبير وسليمان بن يسار ومجاهد وإلى خلافه ذهب سفيان الثوري وسعيد بن المسيب والزهري لكن قالا يقع تطليقه رجعية، وأخرج عبد الرزاق نحو مذهب أبي حنيفة من التابعين عن عطاء وجابر بن يزيد وعكرمة وسيعد بن المسيب وأبي بكر ابن عبد الرحمن ومكحول، وأخرج الدارقطني نحوه عن ابن الحنفية والشعبي والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين وقبيصة وسالم وأبي سلمة، وقيل في الترجيح أنه لا شك أن الظاهر من القراءة المتواترة يفيد مذهب الشافعي وغيره وأما مذهب أبي حنيفة فلا يستقاد منه إلا بتكلف لا يجوز المصير إليه إلا بالسماع، فمن قال من الصحابة على ظاهر الآية يعلم أن قال بالرأي، ومن قال منهم بما قال أبو حنيفة يحمل قوله على السماع قال ابن همام وهذا ترجيح عام، والله أعلم.
وههنا خلافيات أخر أحدها أنه إذا أتى بغير يمين الله كالطلاق والعتاق والصدقة وإيجاب العبادات هل يكون موليا أم لا ؟ فقال أبو حنيفة يكون موليا سواء يقصد به الإضرار بها أو المصلحة ال لها بأن كانت مريضة مثلا أو المصلحة لنفسه بأن كان مريضا مثلا، وقال مالك لا يكون موليا إلا أن يحلف خالف الغضب أو لقصد الإضرار بها، وقال أحمد : إلا أن يقصد الإضرار، وعن الشافعي قولان أصحهما كقول أبي حنيفة. وثانيهما أنه من ترك وطء زوجته للإضرار بها من غير يمين أكثر من أربعة أشهر هل يكون موليا ؟ فقال مالك وأحمد في إحدى روايتيه نعم وقال الجمهور لا. ثالثها : إن مدة إيلاء الرقيق كالحر أربعة أشهر عند الشافعي وأحمد لعموم الآية قالا إنها ضربت لأمر يرجع إلى الطبع وهو قلة صبر المرأة عن الزوج في تلك المدة فيستوي فيه الحر والعبد كمدة الغيبة، وعند أبي حنيفة ومالك بنصف المدة بالرق لكن عند أبي حنيفة برق المرأة وعند مالك برق الزوج بناء على اختلافهما في الطلاق. رابعها : أنه إذا تعذر الوطء فالفيء عند أبي حنيفة بقوله فثت ثم إن قدر على الوطء قبل مضي المدة يجب عليه الوطء، وعند الشافعي لا فيء إلا بالوطء إذ لا حنث إلا به.
التفسير المظهري
المظهري