وإن عزموا الطلاق أي : صمموا عليه، ولم يرجعوا عما حلفوا عليه، فإن الله سميع لطلاقهم عليهم بقصدهم ونيتهم. ومذهب مالك والشافعي : أن القاضي يُوقفه : إما أن يرجع بالوطء إن قدر، أو بالوعد إن عَجز، أو يُطلِّق عليه طلقة رجعية، عند مالك. ومذهب أبي حنيفة : أنها تَبِين بمجرد مُضي أربعة أشهر. وأحكام الإيلاء مقررة في كتب الفقه.
الإشارة : لا ينبغي للعبد أن يصرف عمره كله في معاداة نفسه ومجانبتها، إذ المقصود هو الاشتغال بمحبة الحبيب، لا الاشتغال بعداوة العدو، فلمجاهدة نفسه ومجانبتها حد معلوم ووقت مخصوص، وهو ما دامت جموحة جاهلة بالله. فإن فاءت ورجعت إلى الله، وارتاضت لحضرة الله، وجبت محبتها والاصطلاح معها ؛ لأن النفس بها ربح مَنْ ربح، ومنها خسر من خسر، من عرف قدرها، واحتال عليها حتى ردها إلى ربها - ربح، ومن أهملها وجهل قدرها - خسر، وكان شيخ شيوخنا يقول : جزاها الله عنا خيراً ؛ والله ما ربحنا إلا منها، يعني نفسه. وفي بعض الآثار :( مَنْ عَرَفَ نَفْسَه عَرَفَ ربَه ). وإن عزموا الطلاق، يعني : العباد والزهاد عزموا ألا يرجعوا إلى أنفسهم أبداً، فإن الله سميع عليم بقصدهم هل قصدهم طلب الحظوظ أو محبة الحبيب، وأما العارفون فلا تبقى لهم معادة مع أحد قط، قد اصطلحوا مع الوجود بأسره، فمكنهم الله من التصرف في الوجود بأسره. والله ذو الفضل العظيم.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي