قَوْله تَعَالَى: وَأَن كُنْتُم فِي ريب مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله وَادعوا شهداءكم من دون الله إِن كُنْتُم صَادِقين فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فَاتَّقُوا النَّار الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أعدت للْكَافِرِينَ
وَأخرج أَحْمد وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالنَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الدَّلَائِل عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم مَا من الْأَنْبِيَاء نَبِي إِلَّا أعطي مَا مثله آمن عَلَيْهِ الْبشر وَإِنَّمَا كَانَ الَّذِي أُوتِيتهُ وَحيا أوحاه الله إليّ فأرجو أَن أكون أَكْثَرهم تَابعا يَوْم الْقِيَامَة
وَأخرج ابْن أبي حَاتِم عَن الْحسن فِي قَوْله وَإِن كُنْتُم فِي ريب الْآيَة قَالَ: هَذَا قَول الله لمن شكّ من الْكفَّار فِي مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّد صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن قَتَادَة فِي قَوْله وَإِن كُنْتُم فِي ريب قَالَ: فِي شكّ مِمَّا نزلنَا على عَبدنَا فَأتوا بِسُورَة من مثله قَالَ: من مثل هَذَا الْقُرْآن حَقًا وصدقاً لَا بَاطِل فِيهِ وَلَا كذب
وَأخرج وَكِيع وَعبد بن حميد وَابْن جريروابن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله فَأتوا بِسُورَة من مثله قَالَ: مثل الْقُرْآن وَادعوا شهداءكم من دون الله قَالَ: نَاس يشْهدُونَ لكم إِذا أتيتم بهَا أَنه مثله
وَأخرج ابْن جرير وَابْن إِسْحَق وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله وَادعوا شهداءكم قَالَ: أعوانكم على مَا أَنْتُم عَلَيْهِ فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا فقد بَين لكم الْحق
وَأخرج عبد بن حميد وَابْن جريج عَن قَتَادَة فَإِن لم تَفعلُوا وَلنْ تَفعلُوا يَقُول: لن تقدروا على ذَلِك وَلنْ تطيقوه
أما قَوْله تَعَالَى: فَاتَّقُوا النَّار أخرج ابْن أبي شيبَة فِي المُصَنّف عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِذا مر أحدكُم فِي الصَّلَاة بِذكر النَّار فلسيتعذ بِاللَّه من النَّار وَإِذا مر أحدكُم بِذكر الْجنَّة فليسأل الله الْجنَّة
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَأَبُو دَاوُد وَابْن ماجة عَن أبي ليلى قَالَ صليت إِلَى جنب النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم فَمر بِآيَة فَقَالَ: أعوذ بِاللَّه من النَّار ويل لأهل النَّار
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن النُّعْمَان بن بشير قَالَ سَمِعت النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم وَهُوَ على الْمِنْبَر يَقُول: أنذركم النَّار أنذركم النَّار حَتَّى سقط أحد عطفي رِدَائه على مَنْكِبَيْه
وَأما قَوْله تَعَالَى الَّتِي وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة أخرج عبد بن حميد من طَرِيق طَلْحَة عَن مُجَاهِد
أَنه كَانَ يقْرَأ كل شَيْء فِي الْقُرْآن وقودها بِرَفْع الْوَاو الأولى إِلَّا الَّتِي فِي وَالسَّمَاء ذَات البروج (النَّار ذَات الْوقُود) (البروج الْآيَة ٥) بِنصب الْوَاو
وَأخرج عبد الرَّزَّاق وَسَعِيد بن مَنْصُور وَالْفِرْيَابِي وهناد بن السّري فِي كتاب الزّهْد وَعبد بن حميد وَابْن جرير وَابْن الْمُنْذر وَابْن أبي حَاتِم وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحَاكِم وَصَححهُ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِن الْحِجَارَة الَّتِي ذكرهَا الله فِي الْقُرْآن فِي قَوْله وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة حِجَارَة من كبريت خلقهَا الله عِنْده كَيفَ شَاءَ
وَأخرج ابْن جرير عَن ابْن عَبَّاس فِي الْآيَة قَالَ: هِيَ حِجَارَة فِي النَّار من كبريت أسود يُعَذبُونَ بِهِ مَعَ النَّار
وَأخرج ابْن جرير عَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ: هِيَ حِجَارَة من كبريت خلقهَا الله يَوْم خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض فِي السَّمَاء الدُّنْيَا فأعدها للْكَافِرِينَ
وَأخرج ابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي شعب الإِيمان عَن أنس قَالَ تَلا رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم هَذِه الْآيَة وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة فَقَالَ: أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهبها
وَأخرج ابْن أبي شيبَة وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مرْدَوَيْه وَالْبَيْهَقِيّ فِي الشّعب عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم: أوقدت النَّار ألف سنة حَتَّى احْمَرَّتْ ثمَّ أوقد عَلَيْهَا ألف سنة حَتَّى ابْيَضَّتْ ثمَّ أوقد عَلَيْهَا ألف سنة حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة
وَأخرج أَحْمد وَمَالك وَالْبُخَارِيّ وَمُسلم وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَار بني آدم الَّتِي توقدون جُزْء من سبعين جُزْء من نَار جَهَنَّم
فَقَالُوا: يَا رَسُول الله إِن كَانَت لكَافِيَة قَالَ: فَإِنَّهَا فضلت عَلَيْهَا بِتِسْعَة وَسِتِّينَ جُزْءا كُلهنَّ مثل حرهَا
وَأخرج مَالك فِي الْمُوَطَّأ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: أترونها حَمْرَاء مثل نَاركُمْ هَذِه الَّتِي توقدون إِنَّهَا لأشد سواداً من القار
وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَحسنه عَن أبي سعيد عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم لكل جُزْء مِنْهَا حرهَا
وَأخرج ابْن ماجة وَالْحَاكِم وَصَححهُ عَن أنس قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم إِن نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم لَوْلَا أَنَّهَا أطفئت بِالْمَاءِ مرَّتَيْنِ مَا انتفعتم مِنْهَا بِشَيْء وَإِنَّهَا لتدعو الله أَن لَا يُعِيدهَا فِيهَا
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ فِي الْبَعْث عَن ابْن مَسْعُود قَالَ: إِن نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا من تِلْكَ النَّار وَلَوْلَا أَنَّهَا ضربت فِي الْبَحْر مرَّتَيْنِ مَا امنتفعتم مِنْهَا بِشَيْء
وَأخرج الْبَيْهَقِيّ عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ وَسلم قَالَ: إِن نَاركُمْ هَذِه جُزْء من سبعين جُزْءا من نَار جَهَنَّم ضربت بِمَاء الْبَحْر مرَّتَيْنِ وَلَوْلَا ذَلِك مَا جعل الله فِيهَا مَنْفَعَة لأحد
وَأخرج ابْن أبي شيبَة عَن مُجَاهِد قَالَ: إِن نَاركُمْ هَذِه تعوّذ من نَار جَهَنَّم
وَأما قَوْله تَعَالَى: أعدت للْكَافِرِينَ أخرج ابْن إِسْحَق وَابْن جرير وَابْن أبي حَاتِم عَن ابْن عَبَّاس فِي قَوْله أعدت للْكَافِرِينَ قَالَ: أَي لمن كَانَ على مثل مَا أَنْتُم عَلَيْهِ من الْكفْر
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد ابن سابق الدين الخضيري السيوطي