وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ( ٢٤ ) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين .
قلنا : إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم فالآيات متصل بعضها ببعض، كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة – بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعوا إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه فقال : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله .
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله أي يا أيها الناس عليكم بعد أن تنسلوا من مضايق الوسواس، وتتسللوا من مآزق الهواجس وتنزعوا ما طوقكم به التقليد من القلائد، وتكسروا مقاطر ما ورثتم من العوائد، أن تهرعوا إلى الحق فتطلبوه ببرهانه، وأن تبادروا إلى ما دعيتم إليه فتأخذوه بربانه، فإن خفي عليكم الحق بذاته، فهذه آية من أظهر آياته، وهي عجزكم عن الإتيان بسورة من مثل سور القرآن من رجل أمي مثل الذي جاءكم به، وهو عبدنا ورسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، وإن عجزتم عن الإتيان بسورة من مثله تساوي سورة في هدايتها، وتضارعها في أسلوبها وبلاغتها، وأنتم فرسان البلاغة، وعصركم أرقى عصور الفصاحة، وقد اشتهر كثيرون منكم بالسبق في هذا الميدان ولم يكن محمد صلى الله عليه وسلم ممن يسابقكم من قبل في هذا الرهان، لأنه لم يؤت هذا الاستعداد بنفسه، ولم يتمرن عليه أو يتكلفه لمباراة أهله – فاعلموا أن ما جاء به بعد أربعين سنة فأعجزكم بعد سبقكم لم يكن إلا بوحي إلهي، وإمداد سماوي، لم يسم عقله إلى علمه، ولا بيانه إلى أسلوبه ونظمه.
وعبر عن كون الريب بأن للإيذان بأن من شأن هذا التنزيل أن يرتاب فيه(١) لأن الحق فيه ظاهر بذاته، يتلألأ نوره في كل آية من آياته، ولكن
| إذا لم تكن للمرء عين صحيحة | فلا غرو أن يرتاب والصبح مسفر |
وقوله تعالى من مثله فيه وجهان ( أحدهما ) أن الضمير في " مثله " للقرآن المعبر عنه بقوله ( مما نزلنا ) ( والثاني ) أنه لعبدنا. قال شيخنا وهو أرجح بدليل " من " الداخلة على " مثله " الدالة على النشوء، أي فإن كان أحد ممن يماثل الرسول بالأمية يقدر على الإتيان بسورة فليفعل قال تعالى وادعوا شهداءكم الذين يشهدون لكم أنكم أتيتم بسورة من مثله، وهؤلاء الشهداء هم غير الله تعالى بالضرورة أي ادعوا كل من تعتمدون عليه ليشهد لكم من دون الله أو ادعوا كل أحد غير الله تعالى ليؤيد دعواكم، كما أيد الله تعالى دعوة عبده محمد صلى الله عليه وسلم، وانظروا هل يغنيكم دعاؤكم شيئا إن كنتم صادقين في دعواكم [ أن عندكم فيه ريبا، وإنما يصدق المرتاب في ريبه إذا خفيت الحجة، وغلبت الشبهة، وكان جادا في النظر، فهو يقول : إن كنتم صدقتم في أنكم مرتابون فلديكم ما يمحص الحق فجدوا في الفكر، ولا تتوانوا في النظر، وتدبروا هذا الكتاب وها هو ذا معروض عليكم، وائتوا بسورة واحدة من مثل هذا النبي الأمي، فإذا أمكن لكم ذلك فلخاطر الريب أن يمر بنفوسكم، وإلا فما وجه إعراضكم عن دعوته، وإبطائكم عن تلبيته ؟ ].
( أقول ) هذا محصل سياق الأستاذ في الدرس وقد قرأه بعد كتابتنا له وكتب العبارة الأخيرة لإيضاحه بخطه بعد طبع التفسير في المنار. وترجيحه كون الضمير في مثله للنبي صلى الله عليه وسلم خاص بهذه الآية وهو لا ينافي العجز عن الإتيان بسورة مثل سور القرآن من غير الأميين ورجح الجمهور الأول لموافقة الآيات الأخرى في هذا التحدي. وأول ما نزل في هذا المعنى : قوله تعالى في سورة الإسراء ١٧ : ٨٨ قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا ثم نزل بعدها آية يونس ١٠ : ٣٨ أم يقولون افتراه قل فائتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين ثم آية هود ١١ : ١٣ أم يقولون افتراه قل فائتوا بعشر سور مثله مفتريات وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين وهذه السور الثلاث نزلت بمكة متتابعات كما رواه العلماء بهذا الشأن ولكن في رواية عن ابن عباس أن سورة يونس مدنية والرواية الأخرى هي الموافقة لقول الجمهور ولأسلوبها فإنه أسلوب السور المكية.
وقال بعض علماء الكلام إن الله تعالى تحدى الناس أولا بالقرآن في جملته في آية الإسراء ثم تحداهم بعشر سور مثله في آية هود ثم تحداهم بسورة واحدة مثله في آية يونس وكل ذلك بمكة ثم بسورة من مثله في آية البقرة بالمدينة. وهذا ترتيب معقول لو ساعد عليه تاريخ النزول. والظاهر أن التحدي في سورتي يونس وهود خاص ببعض أنواع الإعجاز وهي ما يتعلق بالأخبار كقصص الرسل مع أقوامهم وهو من أخبار الغيب الماضية التي لم يكن لمن أنزل عليه القرآن عليم بها ولا قومه كما قال تعالى عقب قصة نوح من سورة هود ١١ : ٤٩ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا وكما قال في سورة القصص عقب قصة موسى ٢٨ : ٤٤ وما كنت بجانب الغربي إذ قضينا إلى موسى الأمر إلى آخر الآية ٤٦ وكما قال في سورة آل عمران عقب قصة مريم ٣ : ٤٤ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك الآية.
ولعل وجه التحدي بعشر سور مفتريات دون سورة واحدة هو إرادة نوع خاص من أنواع الإعجاز وهو الإتيان بالخبر الواحد بأساليب متعددة متساوية في البلاغة وإزالة شبهة تخطر بالبال بل بعض الناس أوردها على الإعجاز بالبلاغة والأسلوب وهي أن الجملة أو السورة المشتملة على القصة يمكن التعبير عنها في اللغة بعبارات مختلفة تؤدى المعنى ولا بد أن تكون عبارة منها ينتهي إليها حسن البيان مع السلامة من كل عيب لفظي أو معنوي يخل بالفهم أو التأثير المطلوب فيمن سبق إلى هذه العبارة أعجز غيره عن الإتيان بمثلها لأن تأليف الكلام في اللغة لا يحتمل ذلك ومن الأمثال التي وضحوا بها هذه الشبهة قوله تعالى وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه : أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ؟ قالوا إن هذه الجملة تحتمل بالتقديم والتأخير بضعة تراكيب أفصحها وأبلغها وأسلمها من الضعف والإبهام تركيب الآية. ولكن القرآن عبر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الأسلوب والنظم من مختصر ومطول، والتحدي بمثله لا يظهر في قصة مخترعة مفتراة بل لا بد من التعدد الذي يظهر فيه التعبير عن المعنى الواحد والقصة الواحدة بأساليب مختلفة وتراكيب متعددة كما نرى في سوره فتحداهم بعشر سور مثله في هدايتها وبلاغتها وأسلوبها واشتمالها على الحكم والعبر والأسوة الحسنة المعينة على التربية والتهذيب كما هو شأن القرآن في قصصه. كأنه يقول أدع لكم ما في سور القصص من الأخبار عن الغيب، وأتحداكم أنتم وسائر الذين تستطيعون الاستعانة بهم على الإتيان بعشر سور مثل سور القرآن في قصصها، مع السماح لكم بجعلها قصصا مفتراة من حيث موضوعها، فإن جئتم به مثل سوره القصصية، في سائر مزاياها اللفظية والمعنوية، فأنا أعترف لكم بدحض حجتي عليكم.
وأما اكتفاؤه في سورة يونس بعدها بالتحدي بسورة واحدة في مقام الرد على قولهم " افتراه " فلأنه لم يقيده بكونها مفتراة، لا من باب التخفيف عليهم بالواحدة بعد عجزهم عن العشر، فيدخل فيه خبر الغيب والتزام الصدق.
فعلم من هذا التفصيل أن التحدي بإعجاز القرآن لذاته في جملته والتحدي ببعض أنواع إعجازه في عشر سور مثله وبسورة مثله – كلاهما ثابت في السور المكية قبل نزول آية البقرة وسورتها بعد الهجرة في المدينة المنورة، ولما كان كفار المدينة الذين يوجه إليهم الاحتجاج أولا بالذات هم اليهود وهم يعدون أخبار الرسل في القرآن غير دالة على علم الغيب تحداهم بسورة من مثل النبي صلى الله عليه وسلم في أميته ليشمل ذلك وغيره مع بقاء التحدي المطلق بسورة واحدة مثله على إطلاقه غير مقيد بكونه من مثل محمد صلى الله عليه وسلم وسيأتي بحث وجوه هذا الإعجاز قريبا.
إعجاز القرآن : قد ثبت بالفعل، وتواتر فيه النقل، وحسبك منه وجود ما لا يحصى من المصاحف في جميع الأقطار التي يسكنها المسلمون، وكذا في غيرها ووجود الألوف من حفاظه في مشارق الأرض ومغاربها، وهي تحكي لنا هذه الآيات في التحدي بإعجازه، ولو وجد له معارض أتى بسورة مثله لتوفرت الدواعي على نقلها بالتواتر أيضا، بل لكانت فتنة ارتد بها المسلمون على أدبارهم.
ولما كان إعجازه لمزايا فيه تعلو قدرة المخلوق علما وحكما وبيانا للعلم والحكمة حار العلماء في تحديد وجه الإعجاز بعد ثبوته بالعلم اليقيني الذي بلغ حد الضرورة في ظهوره، حتى قال بعض علماء المعتزلة : إن إعجازه بالصرفة، يعنون أن الله تعالى صرف قدرة بلغاء العرب الخلص في عصر التنزيل عن التوجه لمعارضته فلم يهتدوا إليها سبيلا، ثم تسلسل ذلك في غيرهم واستمر إلى عصرنا هذا، وهذا رأى كسول أحب أن يريح نفسه من عناء البحث وإجالة قدح الفكر في هذا الأمر، وللباحثين فيه أقوال، كتبت فيها فصول وألفت فيها رسائل وكتب، وقد عقدت هذا الفصل عند طبع هذا الجزء من التفسير لبيانها وإيضاحها، لما علمت من شدة حاجة المسلمين أنفسهم إليها، دع أمر دعوة غيرهم أو الاحتجاج عليهم بها.
إعجاز القرآن بأسلوبه ونظمه.
( الوجه الأول ) اشتماله على النظم الغريب، والوزن العجيب، والأسلوب المخالف لما استنبطه البلغاء من كلام العرب في مطالعه وفواصله ومقاطعه. هذه عبارتهم وأوردوا عليها شبهتين وأجابوا عنهما ؛ وحصروا نظم الكلام منثوره مرسلا وسجعا، ومنظومه قصيدا ورجزا، في أربعة أنواع لا يمكن عد نظم القرآن وأسلوبه واحدا منهما، كما يدل عليه كلام الوليد بن المغيرة من أكبر بلغاء قريش الذين عاندوا النبي صلى الله عليه وسلم وعادوه استكبارا، وجاحدوه استعلاء واستنكارا. أخرج الحاكم وصححه والبيهقي في دلائل النبوة عن ابن عباس قال " إن الوليد بن المغيرة جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ عليه القرآن ؛ فكأنه رق له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال يا عم، إن قومك يريدون أن يجمعوا لك مالا ليعطوكه، فإنك أتيت محمدا لتعرض لما قبله، قال : قد علمت قريش أني من أكثرها مالا، قال : فقل فيه قولا يبلغ قومك أنك منكر له، قال : وماذا أقول ؟ فو الله ما فيكم رجل أعلم بالشعر مني، لا برجزه ولا بقصيده ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه هذا الذي يقول شيئا من هذا، ووالله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه مغدق أسفله(٢) وإنه ليعلو وما يعلى، وإنه ليحطم ما تحته. قال : والله ما يرضى قومك حتى تقول فيه. قال فدعني أفكر، فلما فكر قال : هذا سحر يؤثر، يأثره عن غيره. وكان هذا سبب نزول قوله تعالى ذرني ومن خلقت وحيدا الآيات.
ولعمري إن مسالة النظم والأسلوب لإحدى الكبر، وأعجب العجائب لمن فكر وأبصر، ولم يوفها أحد حقها، على كثرة ما أبدؤوا وأعادوا فيها، وما هو بنظم واحد ولا بأسلوب واحد، وإنما هو مائة أو أكثر : القرآن مائة وأربع عشرة سورة متفاوتة في الطول والقصر : من السبع الطوال التي تزيد السورة فيه على المائة وعلى المائتين من الآيات – إلى السور المئين – إلى الوسطى من المفصل إلى ما دونها من العشرات فالآحاد كالثلاث الآيات فما فوقها، وكل سورة منها تقرأ بالترتيل المشبه للتلحين، المعين على الفهم المفيد للتأثير، على اختلافها في الفواصل، وتفاوت آياتها في الطول والقصر، فمنها المؤلف من كلمة واحدة ومن كلمتين ومن ثلاث، ومنها المؤلف من سطرين أو بضعة أسطر، ومنها المتفق في أكثر الفواصل أو كلها، ومنها المختلف في السورة الواحدة منها، وهي على ما فيها متشابه وغير متشابه في النظم، متشابهة كلها في مزج المعاني العالية بعضها ببعض، ومن صفات الله تعالى وأسمائه الحسنى، وآياته في الأنفس والآفاق، والحكم والمواعظ والأمثال، وبيان البعث والمآل، ودار الأبرار ودار الفجار، والاعتبار بقصص الرسل والأقوام وأحكام العبادات والمعاملات والحلال والحرام.
يقول قائل : إن أساليب جميع الفصحاء والبلغاء متفاوتة كذلك، لا يشبه أسلوب منها أسلوبا، ولا يستويان منظوما ولا منثورا، فمجرد اختلاف الأسلوب والنظم لا يصح أن يعد معجزا ( ونقول ) من قال هذا فقد أبعد النجعة، وأوغل في مهامه الغفلة. فمهما تختلف منظومات الشعراء فلن تعدو بحور الشعور المنقولة عن المتقدمين. والتوشيحات والأرجال المعروفة عند المولدين. ومهما تختلف خطب الخطباء والمترسلين من الكتاب. والمؤلفين في العلوم والشرائع والآداب فلن تعدوا أنواع الكلام الأربعة التي بدأنا القول بها. ولا يشبه شيء من هذه ولا تلك نظم سورة القرآن ولا أكثرها. ولكل منهم نظم وأسلوب خاص.
فإن شئت أن تشعر سمعك وذوقك بالفرق بين نظم الكلام البشري ونظم الكلام الإلهي فائت بقارئ حسن الصوت يسمعك بعض أشعار المفلقين. وخطب المصاقع المفوّهين. المتقدمين والمتأخرين. بكل ما يستطيع من نغم وتحسين. ثم ليتل عليك بعد ذلك بعض سور القرآن المختلفة النظم والأسلوب كسورة النجم وسورة القمر وسورة الرحمان وسورة الواقعة وسورة الحديد – مثلا – ثم حكم ذوقك ووجدانك في الفرق بينها في أنفسها. ثم في الفرق بين كل منها وبين كلام البشر في كل أسلوب من أساليب بلغائهم. وتأثير كل من الكلامين في نفسك. بعد اختلاف وقعه في سمعك.
بل تأمل المعنى الواحد من المعاني المكررة في القرآن. لأجل تقريرها في الأنفس ونقشها في الأذهان. كالاعتبار بأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم من مختصر ومطول. وافطن لاختلاف النظم والأساليب فيها. فمن المختصر ما في سور الذاريات والنجم والقمر والفجر. ومن المطول ما في سور الأعراف والشعراء وطه. لعلك إن تدبرت هذا تشعر بالبون الشاسع بين كلام المخلوقين وكلام الخالق. وتحكم بهذا الضرب من الإعجاز حكما ضروريا وجدانيا لا تستطيع أن تدفعه عن نفسك، وإن عجزت عن بيانه بقولك.
ومن اللطائف البديعة التي يخالف بها نظم القرآن نظم كلام العرب من شعر ونثر : أنك ترى السور ذات النظم الخاص والفواصل المقفاة تأتي في بعضها فواصل غير مقفاة، فتزيدها حسنا وجمالا وتأثيرا في القلب، وتأتي في بعض آخر آيات مخالفة لسائر آيها في فواصلها وزنا وقافية، فترفع قدرها وتكسوها جلالة وتكسبها روعة وعظمة، وتجدد من نشاط القارئ وترهف من سمع المستمع، وكان ينبغي للخطباء والمترسلين أن يحاكوا هذا النوع من محاسنه، وإن كانوا يعجزون عن معارضة السورة في جملتها، أو الصعود إلى أفق بلاغتها، ومن أعجب هذه السور أوائل سور المفصل بل المفصل كله. قال شيخنا الأستاذ الإمام : كان المعقول أن يحدث القرآن في هذه اللغة من البلاغة في البيان فوق ما أحدثه بدرجات.
إعجاز القرآن ببلاغته
( الوجه الثاني ) بلاغته التي تقاصرت عنها بلاغة سائر البلغاء قبله وفي عصر تنزيله وفيما بعده. ولم يختلف أحد من أهل البيان في هذا، وإنما أورد بعض المخالفين بعض الشبه على كون بلاغة كل سورة من قصار سوره بلغت حد الإعجاز فيه، والقائلون به لا يحصرون إعجاز كل سورة فيه، ويتحقق التحدي عندهم بإعجاز بعض السور القصيرة بغيره. كأخبار الغيب في سورة الكوثر التي هي أقصر سورة، على أن مسيلمة تصدى لمعارضتها بمحاكاة فواصلها، فجاء بخزي كان حجة على عجزه وصحة إعجازها.
ومن الناس من لا يفقه سر هذه البلاغة ويمارى فيما كتب علماء المعاني والبيان من قواعدها، زاعمين أنه يمكن حمل كل كلام عليها، وأن الإحالة على الذوق فيها إحالة على مجهول، لا تقوم به حجة ولا يثبت به مدلول، لأن الذوق المعنوي كالحسي خاص بصاحبه " من ذاق عرف " وسبب هذا جهلهم اللغة العربية الفصحى نفسها، فقد مرت القرون في أثر القرون على ترك الناس لمدارسة الكلام البليغ منها واستظهاره واستعماله، واقتصار مدارس الأمصار على قراءة كتب النحو والصرف والمعاني والبيان والبديع وهي أدنى ما وضع في فنونها فصاحة وبيانا، وأشدها عجمة وتعقيدا، وهي الكتب التي اقتصر مؤلفوها على سرد القواعد بعبارة فنية دقيقة بعيدة عن فصاحة أهل اللغة وعن بيان المتقدمين الواضعين لهذه الفنون ومن بعدهم إلى القرن الخامس، كالخليل وسيبويه وأبي علي وابن جنى وعبد القهار الجرجاني، حتى صار أوسع الناس علما بهذه الفنون أجهل قراء هذه اللغة بها. وأعجزهم عن فهم الكلام البليغ منها، بله الإتيان بمثله، فمن لم يقرأ من كتاب البلاغة إلا مثل السمرقندية وشرحي جوهر الفنون وعقود الجمان فشرحي التلخيص للسعد التفتازاني وحواشيهما لا يرجى أن يذوق للبلاغة طعما، أو يقيم للبيان وزنا، فأنى يهتدي إلى الإعجاز بهما سبيلا، أو ينصب عليه دليلا ؟ وإنما يرجى هذا الذوق لمن يقرأ أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز للإمام عبد القاهر فإنهما الكتابان اللذان يحيلانك في قوانين البلاغة على وجدانك، وما تجد من أثر الكلام في قلبك وجنانك، فترى أن علمي البيان شعبة من علم النفس، وأن قواعدهما يشهد لها الشعور والحس، ولكن لا بد مع ذلك من قراءة الكثير من منظوم الكلام البليغ ومنثوره، واستظهار بعضه مع فهمه، كما قرر حكيمنا ابن خلدون في الكلام على علم البيان من مقدمته.
فهذا هو الأصل في تحصيل ملكة البلاغة فهما وأداء، والقوانين الموضوعة لها مستنبطة من الكلام البليغ وليس هو مستنبطا منها، وقد عكست القضية منذ القرون الوسطى حتى ساغ لمستقل الفكر أن يقول في الكتب التي أشرنا إليها وهي التي تقرأ في مدرسة الجامع الأزهر وأمثالها : إن قواعدها تقليدية لا يمكن أن يعلم بها تفاضل الكلام، إذ يمكن حمل كل كلام عليها، ولذلك كان أكثر الناس مزاولة لها أضعفهم بيانا، وأشدهم عيا وفهاهة.
فمعرفة مكانة القرآن من البلاغة لا يحكمها من الجهة الفنية والذوقية إلا من أوتى حظا عظيما من مختار كلام البلغاء المنظوم والمنثور، من مرسل ومسجوع، حتى صار ملكة له وذوقا، واستعان على فهم فلسفته بمثل كتابي عبد القهار والصناعتين لأبي هلال العسكري والخصائص لابن جني، وأساس البلاغة للزمخشري ؛ ومغني اللبيب لإبن هشام هذه مقدمات البلاغة ونتيجتها الملكة، ولها غاية يمكن العلم بها من التاريخ، وهي ما كان للقرآن من التأثير في الأمة العربية، ثم فيمن حذقها من الأعاجم أيضا. الحد الصحيح للبلاغة في الكلام هي أن يبلغ به المتكلم ما يريد من نفس السامع بإصابة موضع الإقناع من العقل، والوجدان من النفس ( وقد يعبر عنهما بالقلب ). ولم يعرف في تاريخ البشر أن كلاما قارب القرآن في قوة تأثيره في العقول والقلوب، فهو الذي قلب طباع الأمة العربية وحولها عن عقائدها وتقاليدها، وصرفها عن عادتها وعداواتها، وصدف بها عن أثرتها وثاراتها، وبدلها بأميتها حكمة وعلما، وبجاهليتها أدبا رائعا وحلما، وألف من قبائلها المتفرقة أمة واحدة سادت العالم بعقائدها وفضائلها وعدلها وحضارتها، وعلومها وفنونها.
اهتدى إلى هذا النوع من إعجازه بعض حكماء أوربة مستنبطا له من هذه الغاية التاريخية وبينه في الرد على من زعم من دعاة النصرانية أن محمدا صلى الله عليه وسلم لم يؤت مثل ما أوتي موسى وعيسى من الآيات المع
وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فاتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين ( ٢٤ ) فإن لم تفعلوا ولن تفعلوا فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة أعدت للكافرين .
قلنا : إن الكلام من أول السورة في القرآن وتفصيل أحوال الناس في الإيمان به وعدمه، وهذه الآية دليل على عدم الخروج عن هذا الموضوع في كل ما تقدم فالآيات متصل بعضها ببعض، كحبات من الجوهر نظمت في سلك واحد، فإنه بعد ما ذكر المتقين الذين يهتدون بالقرآن وعلاماتهم، وبين خصائصهم وصفاتهم، وذكر الجاحدين المعاندين، وما هم عليه من العمى عن جلية الحق المبين وما رزئوا به من الصمم المعنوي حتى لا يسمعون الحجج والبراهين، وما أصيبوا به من البكم بالنسبة لقول الحق أو سؤال المرشدين، ثم ذكر المذبذبين بين ذلك فلا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء، وذكر فرقهم وأصنافهم، وبين خلائقهم وأوصافهم، وضرب لهم الأمثال، ونضلهم في ميدان الجدال، بسهام الحجج النافذة، وسيوف البراهين القاطعة – بعد هذا كله تحداهم بالكتاب الذي يدعوا إليه ويناضل عنه ويكافح دونه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه فقال : وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله .
تفسير المنار
رشيد رضا