قوله تعالى : مِمَّا يَشَآءُ. . . ١.
قوله تعالى : وَلَوْلاَ دَفْعُ الله الناس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لفَسَدَتِ الأرض. . . .
قال ابن عطية : أي لولا دفعه الكفر بالمؤمنين لفسدت الأرض بعموم ( الكفر )٢ من أقطارها، لكنه لا يخلو زمان من داع إلى الله ومقاتل عليه إلى أن جعله في أمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقال مكي : أكثر المفسرين على أن المراد لولا أن يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يتقي عمن لا يتقي ( لأهلك )٣ الناس بذنوبهم٤.
وضعّفه ابن عطية قال : والحديث الذي ذكر عن ابنِ عمر رضي الله عنهما٥ المعارض للآية لا يصح٦.
قلت : انظره في تفسير مكي٧.
قال ابن عرفة : وكان بعضهم يبدي في هذه الآية معنى ذكره البيانيون وهو الفرق بين قولك : أكلت بعض الرغيف وبين قولك : أكلت الّرغيف بعضه. وكذلك : أكلت بعض الشاة، وأكلت الشاة بعضها. ( فما تقول )٨ إلا إذا كان المأكول أكثرها أو كان أفضلها، لأنه من باب إطلاق اسم الكل على الجزء ولا يكون إلا لمعنى. قال : وفي الآية حجة على من يجعل لفظ البعض لا يطلق إلا على الأقل وهو ( خلاف نقله )٩ الآمدي في شرح الجزولية في باب التثنية والجمع لأن البعض الأول عبر به عن الدافع والبعض الثاني عن المدفوع، والدافع إما أقل من المدفوع أو أكثر أو مساو.
وأجيب بأن هذا لازم إذا كانا قسمين فقط ولعلها ثلاثة أقسام دافع ومدفوع عنه ومدفوع.
قال ابن عرفة : وفي الآية حجة لمن قال : إن العقل ما خلا عن سمع قط لاقتضائها أنّه لولا ذهاب الفساد بالصلاح المرشد إلى اتباع أوامر الله ونواهيه لعمّ الكفر والفساد الأرض، فلو خلا العقل من سمع في زمن من الأزمان لهلك الخلق كلهم.
فقال : بعض الطلبة بمحضره : إنّما يتم هذا على أحد تفسيري ابن عطية١٠.
فقال ابن عرفة : والآية دالة على أنّ الفساد هو الأصل والأكثر فيستفاد ( منها )١١ فيما إذا كنّا شككنا في صفته، واحتملت الصحة والفساد أنّها تحمل على الفساد كقولهم في فداء المسلمين من أيدي الكفار بالسلاح والكراع هل يجوز ؟ وتغلب مصلحة استخلاص المسلمين منهم على مفسدة تقوي الكافرين بالسّلاح أو يمتنع ؟ وكذلك إذا تترّس الكفار بالمسلمين هل يباح قتل الترس أم لا ؟١٢
قوله تعالى : ولكن الله ذُو فَضْلٍ عَلَى العالمين ١٣.
قال ابن عرفة : هذا احتراس وهو حجة لأهل السنة لأن ما قبلها تضمّن أنّ الله تعالى يذهب الفاسد بالصالح فلو اقتصر عليه لأوهم وجوب مراعاة الأصلح على الله تعالى فبين بهذه الآية أن ذلك محض تفضل من الله تعالى ولا يجب عليه شيء.
قال أبو حيان :« وَلَكِنّ » استدراك بإثبات الفضل على جميع العالمين لما يتوهمه من يريد الفساد أن الله غير متفضل عليه إذ لم يبلغه مقاصده١٤.
قال ابن عرفة : هذا بناء على أنّ ما بعد ( لَكِنّ ) لا يكون ( مضادا )١٥ لما قبلها، ومن يجيز كونه مخالفا له لا يحتاج إلى هذا بل نقول : معناه لهلك النّاس كلّهم بغلبة الفساد. ( وعلّل تفضله )١٦ بالجميع لأنّه عام يناله المفسد والمصلح والمدفوع عنه، أما نيله المدفوع فظاهر وأما المفسد فلأن منعه من ذلك منقذ ( له )١٧ من الهلاك ودخول النّار فيصير صالحا.
المفعول محذوف أي مما يشاء أن يعلمه له أو مما يشاء أن يعلمه لجميع الناس فإن فاعل يشاء هو الله تعالى: ومن للتبعيض تعين الوجه الثاني لأن مشيئة الله تعالى إذا تعلقت بشيء فلا بد من وقوع جميعه..
٢ - ج هـ: الكافرين، والتصحيح من بقية النسخ وهو مطابق لما جاء في المحرر ٢/٢٦٨..
٣ - أ ب ج هـ: لهلك. والتصحيح من – د. وهو مطابق لما جاء في المحرر الوجيز ٢/٢٦٨..
٤ - المحرر الوجيز ج ٢/٢٦٨..
٥ - الحديث هو: إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة من أهل بيته وجيرانه البلاء وتمام الحديث عند مخرجه الطبراني ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض وكتب عليه المناوي ما نصه: ضعفه المنذري وقال الهيثمي فيه يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف وفي الميزان يحيى هذا ضعفه ابن معين ووهاه أبو داوود، وقال أبو حنيفة: لا يحتج به وابن عدي بين الضعف..
٦ - المحرر الوجيز ٢/٢٦٩..
٧ - مقولة مكي في تفسيره ص ١١٥ – ظ – مخطوط دار الكتب الوطنية رقم ١٠٧٣٩..
٨ - أ هـ: نقص – ج: فاتفق..
٩ - م) د: خلاف ما نقله..
١٠ - المحرر الوجيز ٢/٢٦٨..
١١ - ج: نقص..
١٢ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض: يدل بعض من كل ولم يقل: ولولا دفع بعض الناس ببعض ليفيد أن المدفوع أكثر، قاله البيانيون في قولك: أكلت الرغيف بعضه، يسمونه استخداما ويؤخذ من الآية أن الأصل الفساد فيما احتمل الصحة والفساد..
١٣ - قال البسيلي في تفسير قوله تعالى:
ولكن الله ذو فضل: احتراس من توهم وجوب مراعاة الأصلح..
١٤ - البحر المحيط ٢/٢٦١..
١٥ - ج: معيارا..
١٦ - هـ: علل بفضله – أ: على تفضله..
١٧ - أ: نقص..
تفسير ابن عرفة
أبو عبد الله محمد بن محمد ابن عرفة الورغمي التونسي المالكي
جلال الأسيوطي