ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب، فبهت الذي كفر، والله لا يهدي القوم الظالمين { ٢٥٨ }.
تفسير المفردات
الاستفهام للتعجيب والإنكار، وحاج جادل وقابل الحجة بالحجة، فبهت : أي صار مبهوتا دهشا وأخذه الحصر من سطوع نور الحجة فلم يجد جوابا، الظالمين : أي المعرضين عن قبول الهداية بالنظر في الدلائل القاطعة التي توصل إلى معرفة الحق.
المعنى الجملي
بعد أن أثبت فيما سلف أن الله ولى الذين آمنوا، وأن الطاغوت ولي الكافرين ضرب هنا مثلا يؤيد تلك القضية ويكون شاهدا على صدقها ودليلا على صحتها، فبين أن إبراهيم كيف وفقه الله وتولاه بولايته إلى الحجج القيمة التي أزال بها تلك الشبهات التي عرض عليه خصمه حتى فاز عليه وفلج بحجته، وأن الذي حاجه كيف عمى عن نور الحق، فانتقل من ظلمة من ظلمات الشكوك والأوهام إلى أخرى، وتردى في مهاوي الهلاك بولاية الطاغوت له.
الإيضاح
ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أي ألم ينته إلى علمك الذي يبلغ مرتبة اليقين قصص ذلك الملك الذي تجبر وادعى الربوبية، وعارض إبراهيم في ربوبية ربه- ويقال إنه نمرود بن كنعان بن سام بن نوح عليه السلام.
أن آتاه الله الملك أي إن الذي أورثه الكبر والبطر، وحمله على الإسراف في الغرور والإعجاب بقدرته حتى حاج إبراهيم – هو إيتاء الله إياه الملك.
ثم بين تفصيل تلك المحاجة فقال :
إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت هذا جواب من إبراهيم حين كسر الأصنام التي تعبد من دون الله، وسفه أحلام عابديها، فسأله نمرود عن ربه الذي يدعو إلى عبادته قال : ربي الذي يحيي ويميت .
فأنكر الملك الطاغية هذا الجواب.
و قال أنا أحيي وأميت أي أنا أحيي من حكم عليه بالإعدام بالعفو عنه، وأميت من شئت إماتته بالأمر بقتله.
وهذا الإنكار من ذلك الملك الجبار يدل على أنه لم يفهم قول إبراهيم صلى الله عليه وسلم، فإن الحياة في جوابه بمعنى إنشاء الحياة في جميع العوالم الحية من نبات وحيوان وغيرها، وإزالة الحياة بالموت- وفي جواب نمرود بمعنى أنه يكون سببا في الإحياء والإماتة، من أجل هذا أوضح إبراهيم جوابه كما حكى سبحانه عنه.
قال إبراهيم فإن الله يأتي الشمس من المشرق فأت بها من المغرب أي إن ربي الذي يعطي الحياة ويسلبها بقدرته وإرادته، هو الذي يطلع الشمس من المشرق، فهو المكون لهذه الكائنات على ذلك النظام البديع، والسنن الحكيمة التي نشاهدها، فإن كنت تستطيع أن تفعل كما يفعل، فغير لنا شيئا من هذه النظم، فالشمس تطلع من المشرق فحولها وائت بها من المغرب.
فبهت الذي كفر أي فدهش ولم يجد جوابا، وكأنما ألقمه حجرا.
والله لا يهدي القوم الظالمين أي إن الله لا يهدي من أعرض عن قبول الهداية، ولم ينظر في الدلائل التي توصل إلى معرفة الحق ويستسلم للطاغوت، ويترك ما أعطاه الله من الفهم، إتباعا لهواه وشهواته التي تزين له ما هو فيه، وهو حينئذ قد ظلم نفسه وضل ضلالا بعيدا.
تفسير المراغي
المراغي