الربع الثاني من الحزب الخامس
في المصحف الكريم
مما نلاحظه بادئ ذي بدء في هذا الربع من سورة البقرة اقتصاره من البداية إلى النهاية على موضوع البذل والإنفاق في سبيل الله، وتحريكه لهمم المسلمين وعزائمهم بشتى الوسائل، حتى يقوموا بهذا الواجب الاجتماعي الجليل.
ثم عادت الآيات الكريمة مرة ثانية تحذر المؤمنين من نتائج الرياء والمن والأذى بصدقاتهم، وتنبههم إلى أن عاقبة ذلك إنما هي إحباط عملهم بالمرة، نظير المزرعة الغنية بالنخيل والأعناب والمياه الجارية، عندما يسلط عليها الإعصار والنار، فيحترق كل ما فيها، وتذروها الرياح فتذهب هباء منثورا، هذا مع أنها كانت معقد الأمل وعدة الدهر، لشيخ أصابه الكبر وأعجزه الهرم، ولذرية ضعفاء لا يقوون على الكسب بأي وجه من الوجوه، فكم تكون حسرتهم بالغة، وكم يكون أملهم ضائعا، وذلك قوله تعالى : أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ( ٢٦٦ ) .
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري