فوصفها بأنها في حزنة ومجودة..
إن قيل: ما وجه قوله تعالى: فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ والضعف يقال في عدد ما يصح أن يوجد نصفه ولم يجرها هنا ذكر عدد ولا ما يقتضي عدداً، قيل: إنه لما كان لكل قطعة أرض قدر من الريع لا يكاد يزيد عليه بين تعالى أن دخل هذه الجنة ضعفا ما يقتضي مثلها من الأرضين..
إن قيل: لم قال: وَتَثْبِيتًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ؟ فجمع جمع القلة؟ قيل: تنبيها أن ذلك الفعل لا يكاد يوجد إلا في قليل من الناس، فصار في تخصيص الأنفس إشارة إلي نحو قوله - عز وجل - وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ولهذه النكتة - قال تعالى: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ قال: عليه الصلاة والسلام لأصحابه: " الشرك أخفى فيكم من دبيب النملة على الصفاة في الليلة الظلماء "، تنبيهاً أنه قل ما ينفك عمل من رياء وإن قل.
وبين تعالى بقوله: وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أنه لا يخفي عليه شيء من أسرار العباد..
قوله - عز وجل:
أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ الآية (٢٦٦) - سورة البقرة.
النخيل: سمي بذلك لأنه منخول الأشجار وصفوها وذاك أنه أكرم ما ينبت، لكونه مشبها بالحيوانات في الاحتياج، الأنثى منها إلى الفحل في التلقيح وأنه إذا قطع رأسه لم يثمر بعده.
ولأجله قال، عليه الصلاة والسلام: " أكرموا عمتكم النخلة " وقيل: نخل السماء الثلج عند وقوعه على الأرض قطن أو دقيق يغربل، والعنب والعناب نظر إليهما نظرا واحدا، وشورك بينهما في الحروف الأصيلة مشاركتهما في الهيئة والصيغة وزيد في لفظ العناب لزيادة جرمه على جرم العنب، وهذا طريق اعتبروه في الاشتقاق وتحت نقيض فوق وفي الحديث: " لا تقوم الساعة حتى تظهر التحوت "، أي ما تحت الأرض، وذلك إشارة إلى قال الله - عز وجل - وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ
والعصر مصدر " عصرت العنب "، وسمى أخر النهار ومدة من الزمان عصرا كأنه مدة عصرت، فجمعت، وقيل للعطية عصر تشبيها بعصر الريح السحاب، وسمى الإلجاء عصرا والاعتصار
الالتجاء، والمعصر سحاب ذات عصر للمطر، وامرأة فوق الكاعب معصر لكونها ذات عصر أي زمان
للتمتع إشارة إلى قول الشاعر:
مطيات السرور فوق عشر...
إلى عشرين ثم في المطايا
والإعصار: أصله مصدر أعصر، فسمى به الريح والاحتراق مطاوعة حرق، وجرح الثوب أن تحرقه الدق، وحرق البعير حك إحدى نابيه بالأخرى، وريش حرق كالمنقطع بالإحراق، والحرقة احتراق البدن بحرارة فيه والحراق معروف، والحرقات سفن يرمى عنها بالنيران، ضرب الله مثلا لأعمال المنافق والمرائي، وأن لها في الدنيا شارة ونضارة، فإذا احتاج إليها وجدها باطلة، كمن له جنة هكذا يعتمدها، فلما اختل حاله، وكثر عياله، وانقضى شبابه، بقى خاليا عنها وعلى هذا دل ما روى أن عمر - رضي الله عنه قال: " إني لأجد في نفسي من هذه الأشياء "، وكان في القوم ابن عباس فقال: هذا مثل ضربه لمن يعمل عمره كله بعمل أهل الخير حتى إذا كان في آخر أيامه، وفي أحوج ما يكون إلى الخير، ختم عمله بعمل أهل الشقاء، فبطل ما عمل، وقيل: إن ذلك مثل ليس للمال فقط
تفسير الراغب الأصفهاني
أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى
هند بنت محمد سردار