الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثلُ الربا وأحلّ الله البيعَ وحرمَ الرّبا فمَن جاءَه موعظةٌ من ربّه فانتهى فله ما سلَف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون * يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم * إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون * يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رءوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون * وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون * واتقوا يوما ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون .
نزلت هذه الآيات في تحريم الربا الذي كان معروفا في الجاهلية يأتيه اليهود والمشركون. وهي من آخر القرآن نزولا كما سيأتي. وذكرت في النظم بعد آيات الصدقة التي كان آخرها آية الكاملين في السخاء والجود الذين ينفقون في عامة الأوقات والأحوال، لما بينها في التناسب والتضاد. فالمتصدق يعطي المال بغير عوض يقابله والمرابي يأخذ المال بغير عوض يقابله. وإننا نذكر تفسير الآيات ثم نفيض الكلام في مسألة الربا وحكمة تحريمه. لأن لهذه المسألة شأنا كبيرا في حياة الأمم السياسية والاجتماعية في هذا العصر ويزعم بعض المتفرنجين من المسلمين أن تحريم الربا هو العقبة الكؤود في طريق مجاراة المسلمين للأمم الغربية في الثروة التي هي مناط العزة والقوة.
ثم بين الله تعالى الفرق بين الربا والصدقة، إذ جاء الكلام عنه بعد الكلام عنها ببيان أثرهما فقال :
يمحق الله الربا ويربي الصدقات فسروا محق الله الربا بإذهاب بركته وإهلاك المال الذي يدخل فيه. وقد اشتهر هذا حتى عرفه العامة. فهم يذكرون دائما ما يحفظون من أخبار آكلي الربا الذين ذهبت أموالهم وخربت بيوتهم. وفي حديث ابن مسعود عند أحمد وابن ماجة والحاكم وأخرجه ابن جرير في التفسير " إن الربا وإن كثر فعاقبته تصير إلى قل " ١ وقال الضحاك إن هذا المحق في الآخرة، بأن يبطل ما يكون منه مما يتوقع نفعه، فلا يبقى لأهله منه شيء.
وقال الأستاذ الإمام : ليس المراد بهذا المحق محق الزيادة في المال فإن هذا مكابرة للمشاهدة والأخبار، وإنما المراد ما يلاقي المرابي من عداوة الناس وما يصاب به في نفسه من الوساوس وغيرها. أما عداوة الناس فمن حيث هو عدو المحتاجين وبغيض المعوزين، وقد تفضي العداوة والبغضاء إلى مفاسد ومضرات، واعتداء على الأموال والأنفس والثمرات، وقد ظهر أثر ذلك في الأمم التي فشا فيها الربا إذ قام الفقراء فيها يعادون الأغنياء ويتألب العمال عليهم حتى صارت هذه المسألة أعقد المسائل عندهم. وأما ما يصاب به في نفسه من الوساوس والأوهام فهو لا يعرفه إلا من راقب هؤلاء العابدين للمال وبلا أخبارهم. ولا أذكر عنه مثالا على ذلك وما الأمثال فيه بقليلة. فمنهم من يشغله المال عن طعامه وشرابه وعن أهله وولده حتى يقصر في حق نفسه وحقوقهم تقصيرا يفضي إلى الخسر أو المهانة والذل، ومنهم من يركب لذلك الصعب ويقتحم الخطر حتى يكون من الهالكين.
وأقول : المحق في اللغة محو الشيء والذهاب به كمحاق القمر وكل ما لا يحسن المرء عمله محقه كما في الأساس، فلعل المراد بمحق الربا ما يطلب الناس بزيادة المال من اللذة وبسطة العيش والجاه والمكانة وزيادة الربا تذهب بذلك لاشتغال المرابي غالبا عن اللذة وخفض المعيشة بولهه في ماله ولمقت الناس إياه وكراهتهم له كما علم مما تقدم فهو لم يحسن التصرف في التوصل إلى ثمرة المال. وأما إرباء الصدقات فهو زيادة فائدتها وثمرتها في الدنيا وأجرها في الآخرة كما تقدم في تفسير آيات الصدقة ومضاعفة الله إياها " فمعنى " يمحق الله الربا ويربي الصدقات، أن سنته قضت في عابد المال الذي لا يرحم معوزا ولا ينظر معسرا إلا بمال يأخذه ربا بدون مقابل، أن يكون محروما من الثمرة الشريفة للثروة وهي كون صاحبها ناعما عزيزا شريفا عند الناس، لكونه مصدرا لخيرهم والتفضل عليهم وإعانتهم على زمنهم، كما يكون محروما في الآخرة من ثواب المال. فهو في عدم انتفاعه بماله هذا الضرب من الانتفاع كمن محق ماله وهلك. وقضت سنته في المتصدق أن يكون لانتفاعه بماله أكبر من ماله ( وقد تقدم شرح ذلك فلا نعيده ) وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين أنه صلى الله عليه وسلم قال :" من تصدق بعدل ثمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا فإن الله تعالى يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما بربي أحدكم فلوه، حتى تكون مثل الجبل " ٢ والحديث من باب التمثيل كما هو ظاهر.
قال تعالى : والله لا يحب كل كفار أثيم قالوا لا يحب لا يرضى، والكفار المستحل للربا، والأثيم المقيم على الإثم. وأقول : إن حب الله للعبد شأن من شؤونه يعرف باستعمال العبد إتمام حكم الله في صلاح عباده ونفى هذا الحب يعرف بضد ذلك. والكفار هنا هو المتمادي على كفر انعام الله عليه بالمال إذ لا ينفق منه في سبيله ولا يواسي به المحتاجين من عباده. والأثيم هو الذي جعل المال آلة لجذب ما في أيدي الناس إلى يده فافترض إعسارهم، لاستغلال اضطرارهم.
فصل في حكمة تحريم الربا
قال الأستاذ الإمام في الدرس ما مثاله : يقول كثير من الناس الذين تعلموا وتربوا تربية عصرية وأخذوا الشهادات من المدارس بل ومن هم أكبر من هؤلاء أن المسلمين منوا بالفقر وذهبت أموالهم إلى أيدي الأجانب وفقدوا الثروة والقوة بسبب تحريم الربا فإنهم لاحتياجهم للأموال يأخذونها بالربا من الأجانب ومن كان غنيا منهم لا يعطى بالربا. فمال الفقير يذهب ومال الغني لا ينمو. ويجعلون هذه المسألة أهم المسائل الاجتماعية والعمرانية عند المسلمين يعنون أنه ما جنى على المسلمين إلا دينهم. قال : وهذه أوهام لم تقل عن اختبار فإن المسلمين في هذه الأيام لا يحكمون الدين في شيء من أعمالهم ومكاسبهم ولو حكموه في هذه المسألة لما استدانوا بالربا وجعلوا أموالهم غنائم لغيرهم. فإن سلمنا أنهم تركوا أكل الربا لأجل الدين فهل يقول المشتبهون إنهم تركوا الصناعة والتجارة والزراعة لأجل الدين ؟ ألم تسبقنا جميع الأمم إلى إتقان ذلك فلماذا لم نتقن سائر أعمال الكسب لنعوض منها على أنفسنا ما فاتنا من كسب الربا المحرم علينا، وديننا يدعونا إلى أن نسبق الأمم في إتقان كل شيء ؟
الحق أن المسلمين في الأغلب قد نبذوا الدين ظهريا فلم يبق عندهم منه إلا تقاليد وعادات أخذوها بالوراثة عن آبائهم ومعاشريهم فمن يدعي أن الدين عائق لهم عن الترقي فقد عكس القضية وأضاف إلى جهالاتهم جهالة شرا منها وإنما يجيء هذا من عدم البصيرة والتأمل في حال الأمة من بدايتها إلى ما انتهت إليه ولو عرفت الأمة نفسها لعرفت ماضيها كما تعرف حاضرها ولكن جهلها بنفسها وعدم قراءة ماضيها هو الذي أوقعها فيما هي فيه من البلاء العظيم فهي لا تدري من أين أخذت ولا كيف سقطت بعد ما ارتفعت.
أقول : يعني أنها ارتفعت بالدين وسقطت بتركه مع الجهل بالسبب وأفضى بها الجهل إلى أن صارت تجعل علة الرقي والارتفاع، هي عين العلة للسقوط والانحطاط، ومن ذلك استدانة أفرادنا وحكوماتنا من الأجانب بالربا فإنها أضاعت ثروتها وملكنا وكان الدين لو اتبعناه عاصما منها، فنحن ننسى مثل هذه الفائدة الكبرى للدين في الموضوع نفسه ونذكر من سيئات الدين أنه حرم الربا ولو لم يحرمه لجاز أن يكسب بعض أغنيائنا أكثر مما يكسبون الآن. وقد أشار الأستاذ إلى هذا المعنى فقال : إن أثر الربا فينا لا يمكننا أن نزيله بمئات من السنين ولو أننا حافظنا على أمر الدين فيه لكنا بقينا لأنفسنا : فتأمل قوله : بقينا لأنفسنا.
وقال في تفسير ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا الخ ما مثاله : مسألة الربا مسألة كبيرة اتفقت فيها الأديان ولكن اختلفت فيها الأمم، فاليهود كانوا يرابون مع غيرهم والنصارى يرابي بعضهم بعضا ويرابون سائر الناس وقد كان المسلمون حفظوا أنفسهم من هذه الرذيلة زمنا طويلا ثم قلدوا غيرهم، ومنذ نصف قرن فشت المراباة بينهم في أكثر الأقطار وكانوا قبل ذلك يأكلون الربا بالحيلة التي يسمونها شرعية وقد أباحها بعض الفقهاء في استثمار مال اليتيم وطالب العلم المنقطع، ومنها مسألة السبحة المشهورة وهي أن يتفق الدائن مع المدين على أن يعطيه مئة إلى سنة بمئة وعشرة مثلا فيعطيه المئة نقدا ويبيعه سبحة بعشرة في الذمة فيشتريها ثم يهديها إليه.
على أن الذين يأكلون الربا من المسلمين لا يزالون قليلين جدا ولكن الذين يؤكلونه غيرهم كثيرون جدا حتى لا تكاد تجد متمولا في هذه البلاد سالما من الاستدانة بالربا إلا قليلا والسبب في ذلك تقليد حكامهم في هذه السنة بل كثيرا ما كان حكام هذه البلاد يلزمون الرعية بها إلزاما لأداء ما يفرضونه عليهم من الضرائب والمصادرات. ومن هنا نرى أن الأديان لم يمكنها أن تقاوم ميل جماهير الناس إلى أكل الربا حتى كأنه ضرورة يضطرون إليها. ومن حجتهم عليها أن البيع مثل الربا فكما يجوز أن يبيع الإنسان السلعة التي ثمنها عشرة دراهم نقدا بعشرين درهما نسيئة يجوز له أن يعطي المحتاج العشرة دراهم على أن يرد إليه بعد سنة عشرين درهما لأن السبب في كل من الزيادتين الأجل. هكذا يحتج الناس في أنفسهم كما تحتج الحكومات بأنها لو لم تأخذ المال بالربا لاضطرت إلى تعطيل مصالحها أو خراب أرضها.
والله تعالى قد أجاب عن دعوى مماثلة البيع للربا بجواب ليس على طريقة أجوبة الخطباء المؤثرين ولا على طريقة أقيسة الفلاسفة والمنطقيين، ولكنه على سنة هداية الدين وهو أن الله أحل البيع وحرم الربا. وقد جعل أكثر المفسرين هذا الجواب من قبيل إبطال القياس بالنص، أي إنكم تقيسون في الدين والله تعالى لا يجيز هذا القياس ولكن المعهود في القرآن مقارعة الحجة بالحجة وقد كان الناس في زمن التنزيل يفهمون معنى الحجة في رد القرآن لذلك القول إذ لم يكن عندهم من الاصطلاحات الفقهية المسلمة ما هو أصل عندهم في المسائل لا يفهمون الآيات إلا به ولا ينظرون إليها إلا لتحويلها إليه وتطبيقها على آرائهم ومذاهبهم فيه. والمعنى الصحيح أن زعمهم مساواة الربا للبيع في مصلحة التعامل بين الناس إنما يصح إذا أبيح للناس أن يكونوا في تعاملهم كالذئاب كل واحد ينتظر الفرصة التي تمكنه من افتراس الآخر وأكله، ولكن ههنا إله رحيم يضع لعباده من الأحكام ما يربيهم على التراحم والتعاطف وأن يكون كل منهم عونا للآخر لاسيما عند شدة الحاجة إليه ولذلك حرم عليهم الربا الذي هو استغلال ضرورة إخوانهم، وأحل البيع الذي لا يختص الربح فيه بأكل الغني الواحد مال الفقير الفاقد. فهذا وجه للتباين بين الربا والبيع يقتضي فساد القياس.
وهناك وجه آخر وهو أن الله تعالى جعل طريق تعامل الناس في معايشهم أن يكون استفادة كل واحد من الآخر بعمل ولم يجعل لأحد منهم حقا على آخر بغير عمل لأنه باطل لا مقابل له وبهذه السنة أحل البيع لأن فيه عوضا يقابل عوضا وحرم الربا لأنه زيادة لا مقابل لها. والمعنى أن قياسكم فاسد لأن في البيع من الفائدة ما يقتضي حله وفي الربا من المفسدة ما يقتضي تحريمه. ذلك أن البيع يلاحظ فيه دائما انتفاع المشتري بالسلعة انتفاعا حقيقيا لأن من يشتري قمحا مثلا فإنما يشتريه ليأكله أو ليبذره أو ليبيعه وهو في كل ذلك ينتفع به انتفاعا حقيقيا ( وأقول والثمن في هذا المقابل للمبيع مقابلة مرضية للبائع والمشتري باختيارهما ) وأما الربا وهو عبارة عن إعطاء الدراهم والمثليات وأخذها مضاعفة في وقت آخر فما يؤخذ منه زيادة عن رأس المال لا مقابل له من عين ولا عمل ( أقول وهي لا تعطى بالرضى والاختيار بل بالكره والاضطرار ).
وثم وجه ثالث لتحريم الربا من دون البيع وهو أن النقدين إنما وضعا ليكونا ميزانا لتقدير قيم الأشياء التي ينتفع بها الناس في معايشهم. فإذا تحول هذا وصار النقد مقصودا بالاستغلال فإن هذا يؤدي إلى انتزاع الثروة من أيدي أكثر الناس وحصرها في أيدي الذين يجعلون أعمالهم قاصرة على استغلال المال بالمال، فينمو المال ويربو عندهم ويخزن في الصناديق والبيوت المالية المعروفة بالبنوك، ويبخس العاملون قيم أعمالهم لأن الربح يكون معظمه من المال نفسه وبذلك يهلك الفقراء. ولو وقف الناس في استغلال المال عند حد الضرورة لما كان فيه مثل هذه المضرات. ولكن أهواء الناس ليس لها حد تقف عنده بنفسها ( أي فلا بد لها من الوازع الذي يوقفها بالإقناع أو الإلزام ) لذلك حرم الله الربا وهو لا يشرع للناس الأحكام بحسب أهوائهم وشهواتهم كأصحاب القوانين، ولكن بحسب المصلحة الحقيقية العامة الشاملة.
وأما واضعو القوانين فإنهم يضعون للناس الأحكام بحسب حالهم الحاضرة التي يرونها موافقة لما يسمونه الرأي العام من غير نظر في عواقبها ولا في أثرها في تربية الفضائل والبعد عن الرذائل وإننا نرى البلاد التي أحلت قوانينها الربا قد عفت فيها رسوم الدين وقل فيها التعاطف والتراحم، وحلت القسوة محل الرحمة حتى أن الفقير فيها يموت جوعا لا يجد عليه بما يسد رمقه فمنيت من جراء ذلك بمصائب أعظمها ما يسمونه المسألة الاجتماعية وهي مسألة تألب الفعلة والعمال على أصحاب الأموال واعتصامهم المرة بعد المرة لترك العمل وتعطيل المعامل والمصانع، لأن أصحابها لا يقدرون عملهم قدره بل يعطونهم أقل مما يستحقونه، وهم يتوقعون من عاقبة ذلك انقلابا كبيرا في العالم ولذلك قام كثير من فلاسفتهم وعلمائهم يكتبون الرسائل والأسفار في تلافي شر هذه المسألة وقد صرح كثير منهم بأنه لا علاج لهذا الداء إلا رجوع الناس إلى ما دعاهم إليه الدين. وقد ألف تولستوي الفيلسوف الروسي كتابا سماه ( ما العمل ؟ ) وفيه أمور يضطرب لفظاعتها القارئ وقد قال في آخره : أن أوروبا نجحت في تحرير الناس من الرق ولكنها غفلت عن رفع نير الدينار ( الجنيه ) عن أعناق الناس الذين ربما استعبدهم المال يوما ما.
قال الأستاذ رحمه الله تعالى : وهذه بلادنا قد ضعف فيها التعاطف والتراحم وقل الإسعاد والتعاون منذ فشا فيها الربا وإنني لأعي وأدرك ما مر بي منذ أربعين سنة. كنت أرى الرجل يطلب من الآخر قرضا فيأخذه صاحب المال إلى بيته ويوصد الباب عليه معه ويعطيه ما طلب بعد أن يستوثق منه باليمين إنه لا يحدث الناس بأنه اقترض منه لأنه يستحي أن يكون في نظرهم متفضلا عليه قال : رأيت هذا من كثيرين في بلاد متعددة ورأيت من وفاء من يقترض أنه يغني المقرض عن المطالبة بله المحاكمة. ثم بعد خمس وعشرين سنة رأيت بعض هؤلاء المحسنين لا يعطي ولده قرضا طلبه إلا بسند وشهود. فسألته أما أنت الذي كنت تعطي الغرباء ما يطلبون والباب مقفل، وتقسم عليهم أو تحلفهم أن لا يذكروا ذلك ؟ قال : نعم. قلت فما بالك تستوثق من ولدك ولا تأمنه على مالك إلا بسند وشهود وما علمت عليه من سوء ؟ قال : لا أعرف سبب ذلك إلا أنني لا أجد الثقة التي كنت أعرفها في نفسي. قلت : وقد أخبرني أن هذا الذي سأل منه عن ذلك هو والده رحمهما الله تعالى.
هذا ما قاله الأستاذ الإمام في حكمه تحريم الربا وما قاله في مضرة استغلال النقد مأخوذ من كلام للإمام الغزالي ومطبق على حال العصر. وإنني أورد عبارة الغزالي فيه من كتاب الشكر من الإحياء لما فيها من الحسن والفوائد قال رحمه الله تعالى :
" من نعم الله تعالى خلق الدراهم والدنانير وبهما قوام الدنيا وهما حجران لا منفعة في أعيانهما ولكن يضطر الخلق إليهما من حيث إن كل إنسان محتاج إلى أعيان كثيرة في مطعمه وملبسه وسائر حاجاته وقد يعجز عما يحتاج إليه ويملك ما يستغني عنه، كمن يملك الزعفران مثلا وهو محتاج إلى جمل يركبه ومن يملك الجمل ربما يستغني عنه ويحتاج على الزعفران فلا بد بينهما من معاوضة ولا بد في مقدار العوض من تقدير إذ لا يبذل صاحب الجمل جمله بكل مقدار من الزعفران ولا مناسبة بين الزعفران والجمل حتى يقال يعطي منه في الوزن أو الصورة وكذا من يشتري دارا بثياب أو عبدا بخف أو دقيقا بحمار فهذه الأشياء لا تناسب فيها فلا يدري أن الجمل كم يسوى بالزعفران فتتعذر المعاملات جدا فافتقرت هذه الأعيان المتنافرة المتباعدة إلى متوسط بينها يحكم فيها بحكم عدل فيعرف من كل واحد رتبته ومنزلته حتى إذا تقررت المنازل وترتبت الرتب علم بعد ذلك المساوي من غير المساوي، فخلق الله تعالى الدنانير والدراهم حاكمين ومتوسطين بين سائر الأموال حتى تقدر الأ
٢ أخرجه البخاري في الزكاة باب ٨، والتوحيد باب٢٣، ومسلم في الزكاة حديث ٦٣، ٦٤، والترمذي في الزكاة باب ٢٨، والنسائي في الزكاة با ٤٨، وابن ماجة في الزكاة باب ٢٨، والدرامي في الزكاة باب ٣٥، ومالك في الصدقة حديث ١، وأحمد في المسند ٢/٢٦٨، ٣٣١، ٣٨٢، ٤٠٤، ٤١٨، ٤١٩، ٤٣١، ٤٧١، ٥٣٨، ٥٤١، ٦/٦٥١..
تفسير المنار
رشيد رضا