ﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏ

يريد سبحانه أن يقول : إياكم أن يخدعكم الربا بلفظه، فالألفاظ تخدع البشر ؛ لأنكم سميتموه ( ربا ) بالسطحية الناظرة : لأن الربا هو الزيادة، والزكاة تنقص، فالمائة في الربا تكون مائة وعشرة مثلا حسب سعر الفائدة، وفي الزكاة تصبح المائة ( ٩٧، ٥ )، في الأموال وعروض التجارة، وتختلف عن ذلك في الزروع وغيرها، وفي ظاهر الأمر أن الربا زاد، والزكاة أنقصت، ولكن هذا النقصان وتلك الزيادة هي في اصطلاحاتكم وفي أعرافكم. والحق سبحانه وتعالى يمحق الزائد، ويُنمّي الناقص. فهو سبحانه يقول :
يمحق الله الربا ويُربي الصدقات والله لا يحب كل كَفَّار أثيم ٢٧٦
وكلمة ( يمحق ) من ( محق ) أي ضاع حالا بعد حال، أي لم يضع فجأة، ولكن تسلل في الضياع بدون شعور، ومنه ( المحاق ) أي الذهاب للهلال. ( ويمحق الله الربا ) أي يجعله زاهيا أمام صاحبه ثم يتسلل إليه الخراب من حيث لا يشعر.
ولعلنا إن دققنا النظر في البيئات المحيطة بنا وجدنا مصداق ذلك. فكم من أناس رابوا، ورأيناهم، وعرفناهم، وبعد ذلك عرفنا كيف انتهت حياتهم. ( يمحق الله الربا ويُربي الصدقات ) ويقول في آية أخرى :
وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله ( من الآية ٣٩ سورة الروم ).
فإياكم أن تعتقدوا أنكم تخدعون الله بذلك.. ما هو المقابل ؟
وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعِفون ( من الآية ٣٩ سورة الروم ).
و( المضعفون ) هم الذين يجعلون الشيء أضعافاً مضاعفة. وعندما يقول الحق :( يمحق الله الربا ) فلا تستهن بنسبة الفعل لله ؛ إن نسبة الفعل لفاعله يجب أن تأخذ كيفيته من ذات الفاعل، فإذا قيل لك : فلان الضعيف يصفعك، أو فلان الملاكم يصفعك، فلابد أن تقيس هذه الصفعة بفاعلها، فإذا كان الله هو الذي قال :( يمحق الله ). أيوجد محق فوق هذا ؟ لا، لا يمكن.
وأيضا حين يقول الله :( يمحق الله الربا ويُربي الصدقات ) في القرآن الذي يتلى وهو معجز ؛ ومحفوظ ومتحدى بحفظه، فهذه قضية مصونة ( يمحق الله الربا ويربي الصدقات ) ؛ لأن الذي قالها هو الله في كتاب الله المحفوظ، الذي يتلى متعبََّداً به، أي أن القضية على ألسنة الجماهير كلها، وفي قلوب المؤمنين كلها، أيقول الله قضية يحفظها ذلك الحفظ ليأتي واقع الزمن ليكذّبها ؟ لا، لا يمكن. فالإنسان لا يحفظ إلا المستند الذي يؤيده ! ! أنا لا أحفظ إلا ( الكمبيالة ) التي تخصني ! فمادام هو حافظه وهو القائل :
إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون ٩ ( سورة الحجر ).
فمعنى ذلك أنه سبحانه سيطلق فيه قضايا، وهذه القضايا هو الذي تعهد بحفظها، ولا يتعهد بحفظها إلا لتكون حجة على صدقه في قولها. فالشيء الذي لا يكون فيه حجة لا نحافظ عليه. وهو سبحانه القائل :
وإن جندنا لهم الغالبون ١٧٣ ( سورة الصافات ).
إن هذه قضية قرآنية تعهّد الله بحفظها، فلابد أن يأتي واقع الحياة ليؤيدها، فإذا كان واقع الحياة لا يؤيدها، ماذا يكون الموقف ؟ أنكذّب القرآن وحاشانا أن نكذّب القرآن الذي قاله الحق الذي لا إله سواه ليدير كونا من ورائه.
( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحب كل كفار أثيم ). ولماذا قال الحق :( كفار ) ولم يقل :( كافر )، ولماذا قال :( أثيم ) وليس مجرد ( آثم ) ؟ لأنه يريد أن يردّ الحكم على الله ومادام يريد أن يرد الحكم على الله، فقد كفر كفرين اثنين : كفر لأنه لم يعترف بهذه، وكفر لأنه رد الحكم على الله، وهو ( أثيم )، ليس مجرد ( آثم )، وفي ذلك صيغة المبالغة لنستدل على أن القضية التي نحن بصددها قضية عمرانية اجتماعية كونية، إن لم تكن كما أرادها الله فسيتزلزل أركان المجتمع كله.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير