[ ٣ ] يمحق الله الربا : يذهب ببركة مال الربا ويتلفه.
الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا [ ١ ] لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ [ ٢ ] ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ٢٧٥ يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا [ ٣ ] وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ ٢٧٧ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ ٢٧٨ فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ [ ٤ ] وَإِن تُبْتُمْ [ ٥ ] فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ ٢٧٩ وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ [ ٦ ] إِلَى مَيْسَرَةٍ [ ٧ ] وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ٢٨٠ وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ٢٨١ .
تعليق على آيات الربا
في هذه الآيات :
١- تمثيل فيه تشنيع وإنذار للذين يأخذون ويأكلون الربا. فهؤلاء حينما يقومون من قبورهم ليوم القيامة يقومون يتخبطون كما يتخبط المصروع من مسّ الشيطان. وتعليل لهذا بأنهم استحلوا الربا وقالوا : إنه كالبيع في حين أن الله أحلّ البيع وحرّم الربا.
٢- وإنذار للذين كانوا يتعاطون الربا قبل نزول الآيات : فالذين يتعظون بأمر الله وينتهون عن الربا بعد سماع النهي، فما أخذوه سابقاً يبقى لهم وأمرهم موكول إلى الله، ومن لم ينتهوا ويتوبوا فإنهم يستحقون الخلود في النار.
٣- وتقرير رباني في صدد الربا والصدقات : فالله تعالى يمحق الربا ولا يبارك فيه في حين أنه ينمي المال الذي يتصدق منه ويضاعف أجر المتصدقين. والله لا يحب الكافرين الآثمين الذين يستحلون الحرام ويرتكبون الآثام.
٤- وتنويه بالمؤمنين الصالحين الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ولا يستحلون الحرام ولا يرتكبون الآثام، ومعنى الجملتين مندمج في جملة : الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فهؤلاء لهم أجرهم عند ربهم ولن يكون لهم ما يخيفهم ويحزنهم.
٥- وخطاب موجه إلى المؤمنين يؤمرون فيه بتقوى الله والوقوف عند أوامره ونواهيه والتنازل عما لهم في ذمم الناس من ربا إذا كانوا مؤمنين حقا. والاكتفاء باستيفاء رؤوس أموالهم فقط وإنذار لهم إذا لم يتوبوا ويكفوا عن تعاطي الربا بأنهم يكونون كمن أعلن الحرب على الله ورسوله، أو كمن أعلن عليه الله ورسوله حرباً.
٦- وأمر آخر موجه إليهم أيضا : فعليهم أن يمهلوا المدين المعسر إلى أن يوسر وأن لا يرهقوه. وإذا تصدقوا وتنازلوا عن دينهم في حالة العسر فهو خير لهم.
٧- وأمر آخر لهم باتقاء ويلات وبلاء اليوم الذي يقفون فيه بين يدي الله وتوفّى فيه كل نفس ما كسبت دون نقص ولا بخس. ويندمج في الآية معنى أن هذا الاتقاء إنما يكون باتباع أوامر الله واجتناب نواهيه.
٨- وجملة وَإِن تُبْتُمْ تفتح باب التوبة لمن يستيقظ ضميره فيتقي الله وينتهي عن أكل الربا وتعاطيه. وقد يقال على ضوء ذلك : إن الخلود في النار الذي ذكر في الآية [ ٢٧٥ ] هو للمصرّ على فعل ما حرّم الله حيث يكون بذلك قد استحلّ الحرام فاستحقّ الخلود في النار.
والآيات فصل تام في الربا وتحريمه، ويلمح مع ذلك شيء من الصلة بينها وبين الآيات السابقة من ناحية الحثّ على التصدق على المعسرين ومن ناحية تقرير كون الله يمحق الربا ويتلفه بينما يزيد مال المتصدقين وينميه. وقد تكون نزلت لحدتها ووضعت في ترتيبها، إما بسبب نزولها بعد الفصل السابق أو للتناسب الملموح بينها وبين ما قبلها.
ومن الجدير بالتنبيه أن في سورة الروم آية ذكر فيها الربا والزكاة على سبيل المقارنة واحتوت الكراهية للأول والتنويه بالثانية وهي : وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ الروم :[ ٣٩ ] حيث يظهر تساوق الأسلوب القرآني بين ما جاء هنا وما جاء هناك، وتبدو من خلال ذلك الصلة بين هذا الفصل وما قبله.
وقد روى المفسرون ١ أن الآية [ ٢٧٨ ] نزلت في مناسبة مطالبة العباس بن عبد المطلب وخالد بن الوليد أو رجل من بني المغيرة لدين لهما بالربا عند بعض الثقفيين قبل إسلامهما فرفع الأمر إلى النبي فنزلت. وأن الآية [ ٢٨١ ] آخر آية نزلت من القرآن. وقالوا : كانوا في الجاهلية يكون للرجل على الرجل دين من بيع إلى أجل فإذا حلّ الأجل ولم يكن عنده قضاء طلب المدين من الدائن تأخير الأجل مقابل زيادة في الدين وهذا هو الربا.
والذي نلحظه أن الآيات فصل تام منسجم سبكاً وموضوعاً، ونرجح أنه نزل دفعة واحدة ولا ينفي هذا أن يكون تشدد أصحاب الأموال المرابين من المسلمين في طلب أموالهم من مدينين معسرين من الأسباب المباشرة لنزول الآيات.
ويتبادر لنا أن الآية الأخيرة منسجمة مع سابقاتها انسجاماً وثيقاً، ولذلك نتوقف في رواية كونها لحدتها آخر القرآن نزولاً، ونرجح أنها نزلت مع هذه الآيات. فإذا كان لرواية نزولها كآخر آيات القرآن أصل فالمتبادر أن ذلك يشمل الفصل جميعه. وقد روى البخاري ٢ حديثاً في هذا الباب عن ابن عباس جاء فيه :«آخر آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم آية الربا» حيث يمكن أن يكون قصد بذلك آيات الفصل كلها ؛ لأنها تدور على الربا وحيث يمكن أن يقال إن الفصل إلى آخر الآية [ ٢٨١ ] نزل دفعة واحدة في أواخر عهد النبي صلى الله عليه وسلم. ولقد روي أن النبي قال في حجة وداعه فيما قال ٣ :«إن كل ربا موضوع ولكن لكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله أنه لا ربا، وإن ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كلّه» وهذا مما يستأنس به كذلك لأن العباس آمن قبل الفتح المكي ثم هاجر عقبه إلى المدينة فلو كانت الآيات نزلت قبل حجة الوداع لما كان للعباس ربا يطالب به ؛ لأنه لا يمكن إلا أن يتقيد بأمر الله المشدد. ومع هذا فإننا ننبه على أن هناك روايات تذكر غير هذه الآية كآخر ما نزل من القرآن على ما سوف ننبه إليه في مناسبته.
والآيات شديدة وحاسمة في تحريم الربا كما هو ظاهر في صيغتها، ومع ما قال المفسرون في تعريف ربا الجاهلية فقد أوردوا ٤ أحاديث وروايات وأقوالاً عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه وتابعيهم بعضها ورد في كتب الأحاديث الصحيحة تتضمن تعريفاً بالربا في الإسلام، وهو أخذ زيادة في مال متجانس كيلاً أو وزناً أو نوعاً بدون مقابل. وسواء أكانت المعاملة فورية أو مؤجلة كيلاً أو وزناً أو نوعاً بدون مقابل. وسواء أكانت المعاملة فورية أو مؤجلة فإذا أعطى امرؤ أمرا آخر ذهباً أو فضة أو برّاً أو تمراً، وأخذ بدل الذهب ذهباً وبدل الفضة فضة وبدل البرّ برًّا وبدل التمر بزيادة ما في نوع أو وزن فالزيادة هي الربا الذي تحرمه الآيات ولو كان الأداء ديناً مؤجلاً. ولا مانع من أخذ الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبرّ بالبرّ إذا روعي في ذلك المساواة التامة جنساً ووزناً وكيلاً. أما إذا أعطى امرؤ ذهبا فتقاضى بدله فضة أو شعيراً أو تمراً أو أعطى شعيراً فتقاضى بدله برّا أو نقداً من ذهب أو فضة بزيادة ما فالزيادة في الوزن والكيل والنوع هي ربح حلال ؛ لأن العملية تكون عملية بيع سواء أكانت فورية أو مؤجلة. ويطلق الفقهاء على الربا الذي يكون في العملية الفورية ( ربا التفاضل ) وفي العملية المؤجلة ( ربا النسيئة ). ومن هذه الأحاديث حديث رواه الخمسة عن عبادة بن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«الذهب بالذهب والفضة بالفضة وبالبرّ بالبرّ والشعير بالشعير والتمر بالتمر والملح بالملح مثلا بمثل سواء بسواء يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد. وزاد في رواية فمن زاد أو استزاد فقد أربى. الآخذ والمعطي فيه سواء» ٥. وحديث آخر رواه الخمسة كذلك عن مالك بن أوس قال : التمستُ صرفاً بمائة دينار، فدعاني طلحة بن عبد الله فتراوضنا حتى اصطرف مني فأخذ الذهب يقلبها في يده ثم قال : حتى يأتي خازني من الغابة، وعمر يسمع فقال : لا والله لا تفارقه حتى تأخذ منه. قال رسول الله صلى الله عليه : الذهب بالذهب رباً إلا هاءَ وهاءَ والبرُّ بالبرّ رباً إلا هاءَ وهاءَ والشعير بالشعير رباً إلا هاءَ وهاءَ والتمرُ بالتمر رباً إلا هاءَ وهاءَ» ٦.
ويفهم من روح الآيات أن الناس كانوا في عصر النبي صلى الله عليه وسلم يرون الزيادة ربحاً سواء أكان هناك مماثلة في الجنس والوزن أم لا ويعتبرون العملية بيعاً وشراء، فنبهت الآيات على الفرق بين العملين ؛ لأن الزيادة في البيع والشراء في السلع المختلفة هي مقابل جهد ووقت ومال وتفرغ، في حين أن الزيادة في السلع والأجناس والمقادير المتماثلة هي بدون عوض ما.
كذلك يفهم من روح الآيات أنه كان للحاجة والإعسار أثر في تعاطي الربا ولم يكن تقاضيه معاملة بيع وشراء وتجارة، أي أن المرء كان يحتاج إلى مال ينفقه في شؤونه الخاصة أو سلعة يحتاج إليها في معيشته فيستدينها على أن يردها من جنسها بعد مدة بزيادة في المقدار وقد روت الروايات أن الربا كان يتضاعف بسبب الإعسار إلى أن يبلغ أضعافاً مضاعفة، ويستغرق جميع مال المدين وما في حيازته. وإلى هذا أشارت آية سورة آل عمران هذه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافاً مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ١٣٠ .
وإذا صح أن هذه الآيات كان من آخر ما نزل من القرآن والحديث الذي أوردناه يؤيد ذلك، فتكون آية آل عمران هذه قد نزلت قبلها فنهت عن أكل الربا أضعافاً مضاعفة كخطوة أولى، ثم جاءت هذه الآيات لتحرّمه تحريماً حاسماً. وهذا من أساليب التشريع القرآني حيث اقتضت حكمة التنزيل التدرج في إلغاء العادات التي كانت راسخة وذات تأثير شديد في المجتمع. وقد سار القرآن على هذا الأسلوب في تحريم الخمر والميسر على ما ذكرناه في مناسبة سابقة في هذه السورة ؛ لأنهما كان لهما تأثير شديد ورسوخ في المجتمع.
على أن من الحق أن يقال : إن آية آل عمران المذكورة هي الخطوة التشريعية الأولى. أما نواة كراهية الربا والتنفير منه فقد جاءت في القرآن المكي في آية سورة الروم هذه : وَمَا آتَيْتُم مِّن رِّباً لِّيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِندَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُم مِّن زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ ٣٩ . وهكذا يتساوق التلقين القرآني المكي مع التلقين القرآني المدني في هذه المسألة كما يتساوق في سا
التفسير الحديث
دروزة