ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

٢٩ – قوله تعالى : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء الآية |البقرة : ٢٩|.
قوله : لكم قيل : معناه لتعتبروا، ويدل عليه ما قدم من ذكر العبر. وقيل : معنى قوله لكم إباحة الأشياء وتمليكها، حتى قال بعضهم : هذا يدل على إباحة الأشياء في الأصل إلا ما ورد فيه دليل الخطر.
وقال ابن عطية في " تفسيره " : " هذا قول من يقول : إن الأشياء قبل ورود النهي على الإباحة " ثم ساق الأقوال الثلاثة في ذلك هل هي على الإباحة أو الحظر أو الوقف(١) ؟
وهذا وهم، لأن الذين اختلفوا الخلاف الذي ذكره إنما اختلفوا (٢) فيما لم يرد فيه سمع ما حكمه في العقل قبل أن يرد السمع، والحجة بالآية على قول الإباحة وهم، لأن الآية نفسها هي الشرع. فإن دلت على الإباحة، فالشرع أعطى الإباحة لا العقل، وهي مسألة ثانية هل الأشياء المسكوت عنها في الشرع – وهي التي لم يرد فيها حكم ولا دليل – محمولة على الإباحة بهذا الدليل العام، أم هي موقوفة على دليل يخصها ؟
فحكى القاضي أبو محمد عبد الوهاب، عن محمد بن عبد الحكم، وبعض متأخري أصحابه : أن الشرع قد قرر أن الأشياء في الأصل على الإباحة، إلا ما استثناه الدليل. وقد قال بهذا المذهب رجال من أهل العلم. وأكثر العلماء على خلافه، وأنه لا يعلم حكم شيء إلا بدليل يخصه أو يخص نوعه(٣).
وفائدة هذا الاختلاف أنه إذا وقع الاختلاف في حكم في الشرع هل هو على الحظر أو على الإباحة ؟ حكم فيه هؤلاء بأنه على الإباحة، لأن الشرع قد ورد بذلك فيه فصار كالعقل عند القائلين بالإباحة. وهؤلاء ليسوا يقولون إن الأشياء في العقل على الإباحة، ولكن زعموا إن السمع أحل جميعها ثم استثنى السمع سائر ما حرم، فمتى لم ينص على تحريم كان الأصل تحليله بالشرع، لا بحكم العقل. واحتجوا بقوله تعالى : قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده |الأعراف : ٣٢| وبقوله : قل لا أجد في ما أوحي إلي محرما الآية |الأنعام : ١٤٥| وبحديث سلمان " الحلال ما أحل الله والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما عفي عنه " (٤). ومثل ما ذكره عبد الوهاب في هذه المسألة إذا تعارض عند المجتهد دليلان في حظر وإباحة، ولم يكن ترجيح. وكذلك موجب ومبيح، وكذلك محرم وموجب، منهم من يميل إلى الإباحة كما قدمنا، ومنهم من يميل إلى الموجب، ومنهم من يميل إلى الحظر. وقد روي مثل ذلك عن مالك في مسألة المدر وأنه لا يجوز بيعه، ومنهم من يتوقف حتى يأتي دليل آخر، وكذلك يتصور في كل تعارض من الوجوه المذكورة الثلاثة الأقوال.
٢٩ – قوله تعالى : ثم استوى إلى السماء الآية |البقرة : ٢٩|.
هذه ثم إن حملت على بابها من الترتيب اقتضت أن الأرض وما فيها خلق قبل السماء. وقد قال بذلك قوم. وقوله تعالى في سورة النازعات بعد ذكر خلق السماء والأرض بعد ذلك دحاها٣٠ |النازعات : ٣٠| يقتضي ظاهرها أن السماء خلقت قبل الأرض، وقد قال به قوم(٥). وكذلك ما في الأرض على ما في سورة فصلت(٦). و الصواب أن يجمع بين الآيات، فيقال : إن الأرض خلقت قبل السماء على ما في سورة البقرة، ثم خلقت السماء، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء على ما في سورة النازعات(٧)، وفصلت(٨). ويحتمل أن تكون ثم في هذه الآية لترتيب الأخبار لا لترتيب الأمر في نفسه. وإذا كان هذا لم يعطيا أن السماء خلقت بعد الأرض، وإذا لم تقتض ذلك أمكن أن تحمل الآية الأخرى على ظاهرها فيصح القول الآخر. والأمر يحتمل ولا قاطع فيه من الشرع. وقد جاءت بذلك أخبار آحاد. وإذا لم يكن في الترتيب خبر متواتر و الآيات محتملة فلا قاطع في المسألة. ويحتمل أن تكون الأرض و السماء قد خلقهما الله تعالى خلقا واحدا دون تقدم ثم دحيت الأرض بعد السماء، ودحيت قبل السماء. ويترتب ما في الآيتين على هذا ويخرج خروجا حسنا و الله تعالى أعلم، وهو قدير على ما يشاء إذ كل ذلك جائز في العقل.
٢٩ – وفي هذه الآية قوله تعالى : ثم استوى إلى السماء |البقرة : ٢٩|.
والاستواء يوهم تكييفا وتشبيها. فمن الناس من استمر على هذا التشبيه واعتقده تشبثا بالظاهر وهم الكرامية وجماعة من أهل الحديث(٩) وغيرهم. ومنهم وهم الجمهور من نفى التشبيه والتكييف. واختلفوا في هذه الآية وما جانسها فمنهم من رأى تأويلها وصرفها إلى معنى لا يوهم تشبيها. ومنهم من لم ير لتأويلها وجها وقال : تمر كما جاءت من غير اعتقاد تشبيه ولا تكييف. والذين ذهبوا إلى تأويلها اختلفوا في التأويل اختلافا بحسب ما يحتمله اللفظ في كلام العرب وإطلاقهم فقيل : معنى استوى في هذه الآية استولى(١٠) وأنشدوا :
قد استوى بشر على العراق(١١) ***...........................
وقيل : علا أمره وقدرته وسلطانه وهو اختيار الطبري(١٢). وقال ابن كيسان : معناه قصد إلى السماء أي بخلقه واختراعه(١٣). وقيل : معناه كمل صنعه فيها كما تقول : قد استوى الأمر. وقيل : معناه أقبل. وحكى الطبري(١٤) عن بعضهم هو الدخان.
ولتحقيق القول الصحيح من هذه الأقوال موضع غير هذا وهو في كتب الكلام وليس كل ما قاله المفسرون صحيحا، لأن كثيرا منهم إنما ينظرون إلى المعنى ولا يلتفتون إلى الألفاظ. وتصحيح اللفظ على المعنى أولى ما اعتبر. وقد رأيت بعضهم أحصى في قوله تعالى : الرحمان على العرش استوى ٥ |طه : ٥| أكثر من عشرة أقوال. وإذا حققت لم يصح منها إلا اليسير(١٥).

١ المحرر الوجيز ١/١٥٩، ١٦٠ – ط المغرب ويراجع كلام ابن العربي المحرر في أحكام القرآن ١/١٣-١٥ والقرطبي في الجامع ١/٢٥١، ٢٥٢..
٢ زيادة من ن..
٣ يراجع في هذا الأمر الأحكام في أصول الأحكام لابن حزم ١/٥٢-٦٠ وأحكام الفصول للباجي ص ٦٨١_٦٨٦ و المستصفى من علم الأصول للغزالي ٢/٤٠٦-٤٣٣..
٤ أخرجه بنحوه الترمذي ١٧٢٦ وابن ماجه ٣٣٦٧ والعقيلي في الضعفاء ٢/١٧٤ والطبراني في المعجم الكبير ٢/ رقم ٦١٤٢ وابن عدي في الكامل ٣/١٢٦٧ والحاكم في المستدرك ٤/١١٥ والبيهقي في السنن ١٠/١٢ والمزي في تهذيب الكمال ١٢/٣٣٥ جميعهم من طريق سيف بن هارون، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي، عن سلمان الفارسي قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن السمن والجبن والفراء؟ الحديث بنحوه عندهم إلا ابن عدي فإنه ذكر مثل لفظ المؤلف رحمه الله.
وإسناد الحديث ضعيف. قال الترمذي: "هذا حديث غريب لا نعرفه مرفوعا إلا من هذا الوجه. وروى سفيان وغيره عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان قوله، وكأن الحديث الموقوف أصح. وسألت البخاري عن هذا الحديث فقال: ما أراه محفوظا".
وقال أبو حاتم الرازي: "هذا خطأ رواه الثقات عن التيمي، عن أبي عثمان، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسل ليس فيه سلمان وهو الصحيح" كذا في العلل لابن أبي حاتم ٢/ رقم ١٥٠٣.
وعلة هذا الإسناد سيف بن هارون فإنه ضعيف كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر ومن قبله غير واحد من النقاد. فيراجع تهذيب الكمال للمزي ١٢/ رقم ٢٦٧٩ والميزان للذهبي ٢/٢٥٨، ٢٥٩ والتقريب ص١٤٢، لكن صحح العلماء حديث أبي ثعلبة بمعناه رواه الدارقطني وغيره فيراجع كلام الحافظ ابن حجر في الفتح ١٣/٢٦٦..

٥ منهم الإمام الطبري كما في جامع البيان ١/٢٥٢-٢٥٧ ويراجع معالم التنزيل ١/٧٨ وزاد المسير ١/٥٨ وتفسير ابن كثير ١/٦٨، ٦٩..
٦ في ن "المؤمن"..
٧ ثبت عن ابن عباس أنه قال نحو ذلك فيما رواه البخاري في صحيحه ٨/٥٥٥ – فتح والطبري في تفسيره ١/٢٥٦ ثم قال أبو جعفر ابن جرير: "فمعنى الكلام إذا: هو الذي أنعم عليكم، فخلق لكم الأرض جميعا وسخره لكم تفضلا منه بذلك عليكم، ليكون لكم بلاغا في دنياكم، ومتاعا إلى موافاة آجالكم، ودليلا لكم على وحدانية ربكم. ثم علا إلى السماوات السبع وهي دخان، فسواهن وحبكهن، وأجرى في بعضهن شمسه وقمره ونجومه. وقدر في كل واحدة منهن ما قدر من خلقه" وهو الذي صرح به الطبري قال عنه ابن كثير في تفسيره ١/٦٩/: "وهذا ما لا أعلم فيه نزاعا بين العلماء...".
٨ وفي ن "المؤمن"..
٩ لا أعلم أن طائفة من أهل الحديث استمرت على التشبيه وليته سمى لنا منهم أحدا، بل المعروف عنهم الأخذ بظاهر هذه الآية ونحوها دون تأويل أو تعطيل أو تشبيه أو تكييف..
١٠ وهو تفسير الجهمية ثم المعتزلة، وقلدهم في ذلك متكلمو الأشاعرة وغيرهم بدعوى التنزيه وهو سقوط في تعطيل الصفات والتأويل المذموم..
١١ وعجزه: من غير سيف ودم مهراق. والبيت للأخطل الكبير كما في تاج العروس {١٠/١٨٩ وهو أيضا في اللسان سوا ٣/٢١٦٣..

١٢ وهذه زلة قلم من المؤلف رحمه الله تعالى وما كان للإمام الطبري وهو الأثري المنافح عن عقيدة أهل الحديث أن يتأول هذا التأويل الخاطئ كيف يكون ذلك وهو يقول ١/٢٥٢: "وأولى المعاني بقول الله جل ثناؤه: ثم استوى إلى السماء فسواهن: علا عليهن وارتفع فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سماوات" وسبب هذا الخطأ سوء النقل أو عدم رجوع المؤلف إلى الأصل وكأني به نقل كلام الطبري عن ابن عطية في تفسيره ١/٢١٤ وهو الذي فسر كلام ابن جرير بغير مقصده ثم جاء ابن الفرس فنقل الكل باعتباره تفسيرا للطبري للآية والله أعلم..
١٣ حكاه ابن عطية عنه في المحرر الوجيز ١/٢١٤..
١٤ جامع البيان ١/٢٥١..
١٥ كان الأولى بالمؤلف رحمه الله وهو مالكي انتهاج نهج الإمام مالك في تفسير الآية تفسيرا يتماشى مع نهج الصحابة والسلف الصالح ولا يحيد إلى نهج المتكلمين فقد صح عن الإمام قوله: "الاستواء منه غير مجهول، والكيف منه غير معقول، والسؤال عنه بدعة.." قال القاضي عبد الوهاب في شرح عقيدة ابن زيد ص٢٧: "واعلم أن الوصف له تعالى بالاستواء إتباع للنص، وتسليم للشرع، وتصديق لما وصف نفسه تعالى به، ولا يجوز أن يثبت له كيفية لأن الشرع لم يرد بذلك، ولا أخبر النبي-عليه السلام- فيه بشيء، ولا سألته الصحابة عنه.."..

أحكام القرآن

عرض الكتاب
المؤلف

ابن الفرس

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير