وبعد أن عدد آياته في الأنفس بذكر المبدأ والمنتهى –ذكر آياته في الآفاق الدالة على قدرته المحيطة بكل شيء، وعلى نعمه المتظاهرة على عباده بجعل ما في الأرض مهيأ لهم لمنافعهم فقال : هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا .
المعنى الجملي
وجه سبحانه الخطاب في هاتين الآيتين إلى أولئك الفاسقين الذي ضلوا بالمثل بعد أن وصفهم بالصفات الشنيعة من نقض الموثق، وقطع ما أمر الله به أن يوصل، والإفساد في الأرض، وجاء على طريق التوبيخ والتعجيب من صفة كفرهم بذكر البراهين الداعية إلى الإيمان الصادة عن الكفر، وهي النعم المتظاهرة الدالة على قدرته تعالى من مبدأ الخلق، إلى منتهاه، من إحيائهم بعد الإماتة، وتركيب صورهم من الذرات المتناثرة، والنطف الحقيرة المهينة، وخلق لهم ما في الأرض جميعا ليتمتعوا بجميع ما في ظاهرها وباطنها على فنون شتى وطرق مختلفة، وخلق سبع سماوات مزينة بمصابيح ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر.
أفبعد هذا كله يكفرون به وينكرون عليه أن يبعث فيهم رسولا منهم يتلو عليهم آياته، ويضرب لهم الأمثال ليهتدوا في إيضاح ما أشكل عليهم مما فيه أمر سعادتهم في دينهم ودنياهم ؟
الإيضاح :
وهذا الانتفاع يكون بإحدى وسيلتين :
إما بالانتفاع بأعيانه في الحياة الجسدية ليكون غذاء للأجسام أو متعة لها في الحياة المعيشية.
وإما بالنظر والاعتبار فيما لا تصل الأيدي فيستدل به على قدرة مبدعه ويكون غذاء للأرواح.
وبهذا نعلم أن الأصل إباحة الانتفاع بكل ما خلق في الأرض، فليس لمخلوق حق في تحريم شيء أباحه الله إلا بإذنه كما قال : قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل الله أذن لكم أم على الله تفترون .
ثم استوى إلى السماء السماء كل ما في الجهة العليا فوق رءوسنا، واستوى إليها أي قصدها قصدا مستويا بلا عاطف يثنيه من إرادة خلق شيء آخر في أثناء خلقها.
فسواهن سبع سماوات أي أتم خلقهن فجعلهن سبع سماوات تامات الخلق والتكوين.
وفي الآية إيماء إلى أن خلق الأرض وما فيها كان سابقا على تسوية السماوات سبعا، وهذا لا يخالف قوله تعالى : أأنتم أشد خلقا أم السماء ؟ بناها، ورفع سمكها فسواها، وأغطش ليلها وأخرج ضحاها، والأرض بعد ذلك دحاها لأن كلمة بعد فيها بعدية في الذكر لا في الزمان، فمن استعمالاتهم أن يقولوا : أحسنت إلى فلان بكذا، وقدمت إليه المعونة وبعد ذلك ساعدته في عمله، على معنى وزيادة على ذلك ساعدته، أو أن الذي كان بعد خلق السماء هو دحو الأرض : أي تمهيدها للسكنى والاستعمار، لا مجرد خلقها وتقدير الأقوات فيها.
وهو بكل شيء عليم أي إن هذا النظام المحكم لا يكون إلا من لدن حكيم عليم بما خلق، فلا عجب أن يرسل رسولا يوحي إليه بكتاب لهداية من يشاء من عباده يضرب فيه الأمثال بما شاء من مخلوقاته، جل أو حقر، عظم أو صغر.
تفسير المراغي
المراغي