ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

هو الذي خلق لكم أي لانتفاعكم في الدنيا في مصالحكم بوسط أو بغير وسط وفي دينكم بالاستدلال والاعتبار ما في الأرض جميعا بيان للنعمة الأخرى مرتبة على الأولى ثم استوى إلى السماء قال ابن عباس وأكثر المفسرين من السلف أي ارتفع إلى السماء، فهو من المتشابهات نحو : الرحمان على العرش استوى ١ وقال ابن كيسان والفراء وجماعة النحويين أي أقبل على خلق السماء وقصد من قولهم استوى إليه كالسهم المرسل إذا قصده قصدا متسويا من غير أن يلوي على شيء، قال البيضاوي : كلمة ثم لعله لتفاوت ما بين الخلقتين وفضل خلق السماء على خلق الأرض كقوله تعالى : ثم كان من الذين آمنوا ٢ لا للتراخي في الوقت فإنه يخالف ظاهر قوله تعالى : ذ : والأرض بعد ذلك دحاها ٣ فإنها تدل على تأخر دحوى الأرض المتقدم على خلق ما فيها من خلق السماء وتسويتها، وذكر البغوي في تفسير قوله تعالى : والأرض بعد ذلك دحاها أنه قال ابن عباس خلق الله الأرض بأقواتها من غير أن يدحوها قبل السماء ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات ثم دحى الأرض بعد ذلك، وقيل : معناه والأرض مع ذلك دحاها كقوله تعالى : عتل بعد ذلك زنيم ٤ أي مع ذلك، وذكر البغوي في حم السجدة : خلق الأرض في يومين يوم الأحد والاثنين وقدر فيها أقواتها في يومين يوم الثلاثاء والأربعاء فهما مع الأحد والاثنين أربعة أيام فقال : وقدر فيها أقواتها في أٍربعة أيام فقضاهن سموات في يومين ٥ ويم الخميس والجمعة، وهذا هو المستفاد من أقوال السلف والله تعالى أعلم فسواهن سبع سماوات أي خلقهن مستويات لا فطور فيها ولا صدوع، وهو ضمير السماء إن فسرت بالأجرام لأنه جمع أو في معنى الجمع وسبع سماوات بدل منه، وإلا فمبهم تفسيره ما بعده كقولهم ربه رجلا. فإن قيل أليس أصحاب الأرصاد أثبتوا تسعة أفلاك كلية منها الفلك الأطلس فلك الأفلاك وفلك الثوابت الفلك التاسع لا جزء لهما، وأثبتوا للأفلاك السبعة أجزاء منها ما هو مركب من ثلاثة أفلاك خارج المركز وفيه الكوكب ومتمما حاويا ومتمما محويا، ومنها ما هو مركب من خمسة خارج المركز ومتممين حويين وكذا محويين وأفلاك أخر غير مجوفة ارتكزت فيها الكواكب المتحيرة يسمونها فلك التدوير. قلت : إنما أثبتوا عدد الأفلاك بعدد حركات الكواكب، فإنهم لما رأوا جميع الكواكب والشمس دائرة في يوم وليلة أثبتوا فلك الأفلاك حاوية على جميع الأفلاك محركة لكلها بالقسر من المشرق إلى المغرب، ولما رأوا حركة جميع الكواكب سوى السبعة على نسق واحد وحركات السبعة على أنحاء مختلفة في السرعة والبطئ في العرض من البروج الشمالية إلى الجنوبية وبالعكس أثبتوا على حسب حركاته أعداد الأفلاك، ولما رأوا حركة السيارات غير الشمس تارة سريعة وتارة بطئية وتارة إلى المشرق وتارة إلى المغرب وتارة متوقفة ولذا يسمونها متحيرة أثبتوا التدويرات، فارتقى عدد الأفلاك إلى قريب من الثلاثين، من أراد الاطلاع عليه فليرجع إلى علم الهيئة، وهذا أعني إثبات الأفلاك على حسب حركات الكواكب باطل مبني على أمور باطلة، منها اعاؤهم بامتناع الخرق والالتئام على الأجرام الفلكية، ومنها أن الأفلاك كلها متلاصقة بعضها ببعض كتلاصق قشور البصل بعضها على بعض، وذلك يستلزم تحرك الأفلاك جميعها بحركة تلك الأفلاك قسرا وغير ذلك، وكل ذلك باطل فإن انشقاق السماء جائز عقلا واجب سمعا، قال الله تعالى : إذا السماء انشقت ٦ ونحو ذلك وكذا عدم تلاصق السماوات وبعد ما بين كل سمائين ثابت شرعا، عن أبي هريرة قال : بينما نبي الله صلى الله عليه وسلم جالس وأصحابه إذ أتى عليهم سحاب فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم هل تدرون ما هذا ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : هذه العنان هذه روايا الأرض يسوقها الله إلى قوم لا يشكرونه ولا يدعونه، ثم قال : هل تدرون ما فوقكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : فإنها الرقيع سقف محفوظ وموج مكفوف، ثم قال : هل تدرون ما بينكم وبينها ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : بينكم وبينها خمسمائة عام، ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال : سماآن بعد ما بينهما خمس مائة سنة، ثم قال : كذلك حتى عد سبع سموات ما بين كل سمائين ما بين السماء والأرض، ثم قال : هل تدرون ما فوق ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال إن فوق ذلك العرش وبينه وبين السماء بعد ما بين السمائين، ثم قال : هل تدرون ما الذي تحتكم ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : إنها الأرض، ثم قال : هل تدرون ما تحت ذلك ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم، قال : إن تحتها أرض أخرى ما بينهما مسيرة خمسمائة سنة حتى عد سبع أرضين بين كل أرضين مسيرة خمسمائة سنة، ثم قال : هو الأول والآخر و الظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم ٧ رواه أحمد والترمذي، وقال الترمذي : قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم الآية تدل على أنه أراد لهبط على علم الله وقدرته وسلطانه، وعلم الله في كل مكان وهو على العرش كما وصف نفسه في كتابه، قلت قوله صلى الله عليه وسلم لهبط على الله من المتشابهات، كما أنه : الرحمان على العرش استوى ٨ من المتشابهات، ولعل مراده صلى الله عليه وسلم لهبط على عرش الله بحذف المضاف وهذا يدل على كون العرش وكذا ما فيه من السماوات والسبع كرويا حاويا لجميع جهات الأرض حتى أنكم دليتم بحبل إلى الأرض السفلى لهبط على السماوات السبع وعلى عرش الله، والصوفية العلية كما أثبتوا معية لا كيف لها وتجليات خاصا لله سبحانه على قلب المؤمن وهو عرض الله سبحانه في العالم الصغير وأثبتوا تجليا مخصوصا بالكعبة الحسناء بيت الله واختصاصا برب هذا البيت كذلك أثبتوا تجليا خاصا رحمانيا على العرش وهو قلب للعالم الكبير وذلك التجلي هو المومي إليه بقوله تعالى : الرحمان على العرش استوى ٩ وروى الترمذي وأبو داود من حديث العباس وفيه :«إن بعد ما بينهما يعني السماء والأرض إما واحدة أو اثنان أو ثلاث وسبعون سنة والسماء التي فوقها كذلك حتى عد سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحر بين أعلاه وأسفله كما بين سماء إلى سماء، ثم فوق ذلك ثمانية أو عال بين أظلافهن ودركهن مثل ما بين سماء إلى سماء ثم على ظهورهن العرش بين أسفله وأعلاه ما بين سماء إلى سماء ثم الله فوق ذلك »١٠ قلت : هذا الاختلاف الوارد في الأحاديث في مسافة إما باختلاف اعتبار السائرين، أو المراد كثرة البعد لا تعيين المسافة، وقوله إما واحدة أو اثنان أو ثلاث شك الراوي والله أعلم، طال الكلام وحاصل المرام أن علم الهيئة باطل أساسا وبناء، والجائز عقلا والثابت شرعا أن الكواكب كلها مرتكزة في السماء الدنيا، قال الله تعالى : وزينا السماء الدنيا بمصابيح ١١ كل في فلك يسبحون ١٢ أي فلك واحد، حسب إرادة الله تعالى في السرعة والبطوء والجهة كما يسبح السمك في الماء فحينئذ لا حركة للمساوات والله أعلم، قال الله تعالى وهو بكل شيء عليم فيه تعليل كأنه قال لكونه عالما بكنه الأشياء كلها خلق ما خلق على النمط الأتم الأكمل الأنفع، قرأ أبو جعفر وأبو عمرو والكسائي وقالون وهُوَ وَ هِيَ بسكون الهاء إذا كان قبل الهاء وكما ههنا ونحو : وَهِيَ تَجْرِي بهم أو فاء أو لام نحو : فَهُوَ وَلِيُّهُمُ إن الله لهو الولي فَهِيَ كَالحِجَارَةِ لَهِيَ الحيوان زاد الكسائي وقالون كلمة ثم نحو : ثم هُوَ يَوْمَ القِيَامَةِ مِنَ المُحْضَرِينَ وقال البغوي : إن في أن يُمِلَّ هُوَ أيضا أسكن الكسائي وقالون لكن المشهور عند القراء عدم الإسكان هناك بالإجماع كذا قال الشاطبي.

١ سورة طه، الآية: ٥.
٢ سورة البلد، الآية: ١٧.
٣ سورة النازعات، الآية: ٣٠.
٤ سورة القلم، الآية: ١٣.
٥ سورة فصلت، الآية: ١٠-١٢.
٦ سورة الإنشقاق، الآية: ١.
٧ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحديد ٣٢٩٨ وقال عنه غريب من هذا الوجه.
٨ سورة طه، الآية: ٥.
٩ قال العراقي: لم أر له أصلا، وقال في المقاصد: ليس له إسناد معروف، وكذلك أغلب العلماء قالوا مثل هذه المقالة. انظر كشف الخفاء٢٢٥٦.
١٠ أخرجه الترمذي في كتاب: تفسير القرآن، باب: ومن سورة الحاقة٣٣٢٠.
١١ سورة فصلت، الآية: ١٢.
١٢ سورة الأنبياء، الآية: ٣٣.

التفسير المظهري

عرض الكتاب
المؤلف

المظهري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير