ﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵﯶﯷﯸﯹﯺﯻﯼﯽﯾ

وقال في رواية عطاء والكلبي: وكنتم نطفا، وكل ما فارق الجسد من نطفة أو شعر فهو ميت (١) فَأَحْيَاكُمْ في الأرحام بأن خلقكم بشرا، وجعل فيكم الحياة ثُمَّ يُمِيتُكُمْ في الدنيا ثُمَّ يُحْيِيكُمْ للبعث ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ تردون فيفعل بكم ما يشاء مما سبق علمه وحكمه (٢).
٢٩ - قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا الآية قال المفسرون لما استعظم المشركون أمر الإعادة عرفهم خلق السموات والأرض، ليدل بذلك على أن إعادة الحياة فيهم وقد خلقهم أولاً ليس بأكثر من خلقه السموات والأرض وما فيهما (٣).

= ومجاهد، وقتادة، وأبي صالح والضحاك وعطاء. ابن كثير ١/ ٧١ - ٧٢، انظر "الوسيط" ١/ ٧٠.
(١) وبهذا النص ذكره الفراء في "معاني القرآن" ولم ينسبه لأحد، ١/ ٢٥، والذي ورد عن ابن عباس من طريق عطاء: كنتم أمواتا فأحياكم في أصلاب آبائكم لم تكونوا شيئًا حتى خلقكم، ثم يميتكم موتة الحق، ثم يحييكم حين يبعثكم، أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٧٣، وأخرج نحوه ابن جرير ١/ ١٨٩، وذكره السيوطي في "الدر" ونسبه إلى ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم. "الدر" ١/ ٨٩، وذكره ابن كثير ١/ ٧١، وانظر: "تحقيق المروي عن ابن عباس" في سورة الفاتحة والبقرة وآل عمران ١/ ١٨٩ (رسالة ماجستير إعداد محمد العبد القادر). قال "الطبري" -بعد أن ذكر نحو هذا التفسير-: (وهذا قول ووجه من التأويل، لو كان به قائل من أهل القدوة الذين يرتضى للقرآن تأويلهم، ثم قال: وأولى ما ذكرنا من الأقوال: القول الذي ذكرنا عن ابن عباس وابن مسعود: من أن معنى قوله: وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا أموات الذكر خمولًا في أصلاب أبائكم نطفا، لا تعرفون ولا تذكرون: فأحياكم بإنشائكم بشرا سويا حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم...) ١/ ١٨٩.
(٢) انظر: "تفسير الثعلبي" ١/ ٥٩ ب.
(٣) ذكره أبو الليث عن الكلبي ١/ ٣٠٩، والآية فيها دلائل نعمه عليهم مما يوجب عليهم شكره، ودلائل توحيده، انظر: "الطبري" ١/ ١٩٠، وابن كثير ١/ ٧٢.

صفحة رقم 294

وقوله تعالى: لَكُمْ أي: لأجلكم، فما في الأرض مخلوق لهم بعضها للانتفاع، وبعضها للاعتبار (١)، فإن السباع والعقارب والحيات، وكل ما يؤذي ويضر فيها منفعة للمكلفين وجهة ما فيها من العبرة والإرهاب؛ لأنه إذا رئي (٢) طرف من المتوعد به كان أبلغ في الزجر عن المعصية وأدعى إلى التمسك بالطاعة، كما أنه إذا قدم طرف من الموعود به كانت النفس إليه (٣) أشوق، وعليه (٤) أحرص، والأصل في ذلك أن الخبر لا يقوم مقام المشاهدة فيما يصل إلى القلب ويبلغ إلى النفس (٥).
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ. أخبرني أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري (٦) رحمه الله ثنا محمد بن يعقوب المعقلي (٧) أبنا (٨) محمد ابن (٩) الجهم عن الفراء قال: (الاستواء) في كلام العرب على جهتين،

(١) في (أ): (الاعتبار)، وما في (ب)، (ج) أصح.
(٢) في (أ)، (ج): (أرى)، وأثبت ما في (ب) لأنه أنسب للسياق.
(٣) في (ج): (عليه).
(٤) في (ج): (إليه).
(٥) وفي خلق هذِه الأشياء التي ذكر حكم كثيرة، منها ما علم للبشر، ومنها ما لم يعلم، وما ذكره بعض هذِه الحكم. انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٢٣، "الكشاف" ١/ ١٧٠، "زاد المسير" ١/ ٥٨، "القرطبي" ١/ ٢١٦.
(٦) هو أبو سعيد، محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي، بن أبي عمرو النيسابوري، سمع من الأصم وأكثر عنه، كان ثقةً مأمونًا، مات في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة. انظر: "سير أعلام النبلاء" ١٧/ ٣٥٠، "شذرات الذهب" ٣/ ٢٢٠.
(٧) هو الإمام المحدث محمد بن يعقوب المعقلي المعروف بالأصم، تقدمت ترجمته في المقدمة.
(٨) في (ج): (ثنا).
(٩) هو محمد بن الجهم السمري، أبو عبد الله، الكاتب، تلميذ الفراء وراوية كتبه، =

صفحة رقم 295

إحداهما: أن يستوي الرجل وينتهي شبابه وقوته، (١) ويستوي من اعوجاج، وهذان وجهان، ووجه ثالث أن يقول: كان فلان مقبلا على فلان ثم استوى عليّ وإليّ [يشاتمني] (٢) على معنى أقبل عليّ وإليّ، فهذا معنى قوله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ (٣).
وأقرأني العروضي، عن الأزهري، قال: أخبرني المنذري، قال: سئل أحمد بن يحيى عن (الاستواء) في صفة الله، فقال: الاستواء الإقبال على الشيء (٤).
وأقرأني سعيد بن محمد الحيري (٥) رحمه الله عن أبي الحسن بن مقسم وأبي علي الفارسي عن الزجاج قال: قال قوم في قوله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: عمد وقصد إلى السماء، كما تقول: فرغ الأمير من بلد كذا، ثم استوى إلى بلد كذا، معناه: قصد بالاستواء إليه. قال: وقول ابن عباس: اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ أي صعد، معناه صعد أمره إلى السماء (٦)، انتهى

= كان من أئمة العربية العارفين بها، قال الدارقطني: ثقة، مات سنة سبع وسبعين ومائتين. انظر تاريخ بغداد ٢/ ١٦١، "معجم الأدباء" ١٨/ ١٠٩، "سير أعلام النبلاء" ٣١/ ١٦٣.
(١) في "معاني القرآن" للفراء (أو) وهو أصح ١/ ٢٥، وانظر "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٩٤.
(٢) في (أ)، (ج): (يكلمين) غير واضحة المعنى، والتصحيح من "معاني القرآن"، ومن "تهذيب اللغة" ٢/ ١٧٩٤.
(٣) انتهى ما نقله عن الفراء، وفي "معاني القرآن" قال: (وقال ابن عباس ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ صعد.. وكل كلام في كلام العرب جائزٌ، انظر: "معاني القرآن" ١/ ٢٥، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.
(٤) "تهذيب اللغة" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.
(٥) أحد شيوخ الواحدي مضت ترجمته.
(٦) هذا تأويل وصرف لكلام ابن عباس.

صفحة رقم 296

كلامه (١)] (٢).
وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: كان الأمير يدبر أهل الشام ثم استوى إلى أهل الحجاز، أي: تحول فعله وتدبيره إليهم (٣).
والأصل في (الاستواء) الاستقامة (٤)، وإنما قيل للقصد إلى الشيء

(١) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٧٥، ٧٥، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤، ونص عبارة الواحدي أقرب إلى عبارة "التهذيب".
(٢) نهاية السقط من نسخة (ب).
(٣) انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢١٨، "تفسير الطبري" ١/ ١٩١، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٧٤.
وكل هذِه "المعاني" التي ذكرها من باب التأويل، والمنهج السوي أن نثبت لله ما أثبته لنفسه، فهو سبحانه مستو على عرشه عال على خلقه، ولا يلزم لهذا أي لازم باطل مما يلزم لاستواء المخلوقين.
قال الأشعري في "الإبانة عن أصول الديانة": (وإن قال قائل ما تقولون في الاستواء؟ قيل له: نقول إن الله عز وجل مستو على عرشه كما قال: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) [طه: ٥]، وقد قال الله عز وجل: إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ [فاطر: ١٠]، وقال: بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ [النساء: ١٥٨]..) ثم قال: (.. وقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحروية: إن قول الله عز وجل: الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى
[طه: ٥]، إنه استولى وملك وقهر، وإن الله عز وجل في كل مكان وجحدوا أن يكون الله عز وجل على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة، ولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم..) "الإبانة عن أصول الديانة" ص ٨١، انظر "شرح العقيدة الطحاوية" ص ٣٤٣، "الرسالة التدمرية" ص ٨١، "مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية" ٥/ ٩٥، ١٤٤، ١٣٦.
(٤) الاستواء في (كلام العرب) يأتي على وجوه كما مر قريبا في كلام الفراء ومن تلك الوجوه ما ذكره عن ابن عباس: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ: صعد، ثم قال: (وكل في (كلام العرب) جائز) انظر "معاني القرآن" للفراء١/ ٢٥، "تفسير الطبري" ١/ ١٩١، "تهذيب اللغة" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.

صفحة رقم 297

استواء لأن الاستواء يسمى قصدًا، يقال: أمر قاصد وعلى قصد، إذا كان على استواء واستقامة، فلما سمي الاستواء قصدًا، سمي القصد استواء، وإن لم يكن المراد بالقصد الاستقامة، ظنًّا منهم أن كليهما سواء لما اجتمعا في التسمية في موضع، هذا تعليل ذكره بعض أصحاب المعاني (١) لتسميتهم القصد: استواءً وإن كانت اللغة لا تعلل.
وأما استوى بمعنى: استولى، فقد يكون، وكأنه يقول: (استوت له الأمور فاستولى) (٢)، ثم وضع (استوى) موضع (استولى) (٣).
وقال الأخفش: استوى (٤) أي: علا، تقول (٥): استويت فوق الدابة وعلى ظهر البيت أي علوته (٦).

(١) في (ب): (أهل المعاني).
(٢) في (ب): (واستولى).
(٣) قال أبو الحسن الأشعري في (الإبانة): (... فلو كان الله مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها، لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء.... لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.. لم يجز أن يكون الاستواء على العرش: الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها...) "الإبانة عن أصول الديانة" ص ٤٩. وذكر ابن تيمية اثني عشر وجها في الرد على من فسر اسْتَوَى معنى (استولى) ومن تلك الوجوه: أنه لم يرد عن أحد من الصحابة ولا التابعين لهم، بل تفسير حدث من المبتدعة بعدهم. ثم هو ضعيف لغة. انظر: "مجموع الفتاوى" ٥/ ١٤٤ - ١٤٩.
(٤) في (ب): (يقول: أي علا).
(٥) في (ب): (يقول) وفي "تهذيب اللغة" (وتقول) ٢/ ١٧٩٤.
(٦) انظر كلام الأخفش في "تهذيب اللغة" (لفيف السين) ٢/ ١٧٩٤.

صفحة رقم 298

وهذا القول اختيار محمد بن جرير قال: ومعناه (١) ارتفع ارتفاع ملك وسطان، لا ارتفاع انتقال وزوال (٢)، وإنما هو ارتفاع تدبيره وحكمه وسلطانه، وهذا قريب من قول ابن عباس وتوجيه الزجاج لقوله (٣).
وقوله تعالى فَسَوَّاهُنَّ. حقيقة (التسوية) الجعل على الاستواء، يقال سويت الشيئين فاستويا، والفرق بينه وبين التقويم أن التسوية قد تكون بالحكم أن الشيئين يستويان، والتقويم لا يكون بالحكم، وإنما يكون

(١) (الواو) ساقطة من (ب).
(٢) رجح ابن جرير: أن الاستواء بمعنى العلو، فقال -بعد أن ذكر الأقوال في الاستواء-: (وأولى المعاني) بقول الله جل ثناؤه: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ علا عليهن وارتفع، فدبرهن بقدرته وخلقهن سبع سموات. والعجب ممن أنكر المعنى المفهوم من كلام العرب في تأويل قول الله: ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ، الذي هو بمعنى العلو والارتفاع، هربا عند نفسه من أن يلزمه بزعمه -إذا تأوله بمعناه المفهوم كذلك- أن يكون إنما علا وارتفع بعد أن كان تحتها، إلى أن تأوله بالمجهول من تأويله المستنكر، ثم لم ينج مما هرب منه!، فيقال له: زعمت أن تأويل قوله: (استوى) أقبل، أفكان مدبرا عن السماء فأقبل إليها؟ فإن زعم أن ذلك ليس بإقبال فعل، ولكنه إقبال تدبير، قيل له فكذلك، فقل: علا عليها علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، ثم لن يقول في شيء من ذلك قولا إلا ألزم في الآخر مثله، ولولا أنا كرهنا إطالة الكتاب بما ليس من جنسه، لأنبأنا عن فساد قول كل قائل قال في ذلك قولا، لقول أهل الحق فيه مخالفا....) "الطبري" ١/ ١٩٢. ونرى في سياق كلام الطبري أنه رجح في معنى (الاستواء) ما قال به السلف ثم أخذ يحاور المؤوّلين، ومن باب إلزام الحجة لهم قال: (قل: علا عليها علو ملك وسلطان...) ولا شك أن هذِه العبارة ليس من نهج السلف في الإثبات والله أعلم.
(٣) قول ابن عباس: إنه بمعنى صعد، كما ذكر الفراء ١/ ٢٥، وإنما أوله الزجاج بمعنى: يصعد أمره. انظر. "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٧٥.

صفحة رقم 299

بالفعل (١).
وجمع الكناية (٢) في فَسَوَّاهُنَّ لأنه أراد بلفظ (السماء) جميع السموات كقولهم: كثر الدرهم والدينار في أيدي الناس، يراد الجمع (٣)، وكثيراً ما يذكر الواحد والمراد به الجمع، كقوله تعالى: فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي [الشعراء: ٧٧] وقوله: إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء: ١٦]. وكما أنشده (٤) قطرب:

أَلاَ إِنَّ جِيرَانِي العَشِيَّة رَائِحٌ دَعَتْهُمْ دَوَاعٍ مِنْ هَوى وَمنَادِحُ (٥)
ويجوز أن يراد بالسماء جمع سماة أو سماوة، على ما ذكرنا قبل (٦). وجائز أن تعود الكناية على أجزاء السماء ونواحيها (٧). وقوله تعالى: سَبْعَ سَمَاوَاتٍ. (السبع) عدد المؤنث، والسبعة
(١) قال ابن جرير: فَسَوَّاهُنَّ يعني هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في (كلام العرب): التقويم والإصلاح والتوطئة ففسر (التسوية) بالاستقامة، انظر "الطبري" ١/ ١٩٢، وانظر: "الكشاف" ١/ ٢٧١.
(٢) الكناية: الضمير.
(٣) ذكره الزجاج عن الأخفش، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٧٥، وانظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢١٧، "معانىِ القرآن" للفراء ١/ ٢٥، وذكر هذا الرأي "الطبري"، وأختار غيره كما يأتي ١/ ١٩٣.
(٤) في (ب): (أنشد).
(٥) البيت لحيان بن جُلْبَة المحاربي، جاهلي ذكره أبو زيد في "نوادره" مع بيت بعده ص ٤٤٤، وكذا البكري في "معجم ما استعجم" ١/ ١٣٧، والسيوطي في "همع الهوامع" ٦/ ١١٩.
(٦) ذكره عند قوله تعالى: أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ البقرة: ١٩، ص ٥٤٧، وقد ذكر هذا الرأي "الطبري" واختاره ١/ ١٩٢، والزجاج ١/ ٧٥.
(٧) فجمع باعتبار تعدد أجزائها ونواحيها، انظر "الطبري" ١/ ١٩٣.

صفحة رقم 300

للمذكر، وجاء التذكير والتأنيث في هذا على خلاف الأصل، لأنهم لما (١) وضعوا العدد في أول أمره قبل أن يعلق على معنى تحته وأكثر من العدد، قالوا: أربعة خمسة، ثم أرادوا بعد ذلك (٢) تعليقه على المعدود، وكان المذكر هو الأول جعلوا الأول للأول، والثاني للثاني (٣).
ولهذا علل كثيرة يذكر (٤) في غير هذا الكتاب (٥).
وقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ. أي من كفرهم ونفاقهم وكتمهم وصفك يا محمد.
وقيل: إنه لما ذكر ما يدل على القدرة والاستيلاء (٦) وصل (٧) ذلك بوصفه بالعلم، إذ به يصح الفعل المحكم المتقن. وقيل: هو (٨) بكل شي عليم من الخلق والتسوية (٩).
والآية لا تدل على أنه خلق السماء بعد الأرض، إنما تدل على أنه

(١) (لما) ساقط من (ب).
(٢) في (ب): (تعليقه بعد ذلك).
(٣) الأول في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المذكر، والثاني في العدد (ثلاثة) وفي المعدود المؤنث.
(٤) (يذكر) ساقط من (ب)، والأولى للسياق تذكر.
(٥) اختلف النحويون في علة ذلك على أقوال كثيرة، انظر بعض هذِه العلل في "جمل الزجاجي" ص ١٢٥، "وشرح جمل الزجاجي" لابن عصفور ٢/ ٣٠.
(٦) هذا من التأويل، بل (الاستواء العلو).
(٧) في (ب): (وصف).
(٨) في (ب): (وهو).
(٩) والأولى عموم ذلك، فالذي خلقكم وخلق لكم ما في الأرض، وسوى السموات السبع فأحكمهن واستوى على عرشه، لا يخفى عليه منكم شيء، انظر. "الطبري" ١/ ١٩٥، "تفسير أبي الليث" ١/ ١٠٧، "الكشاف" ١/ ٢٧١، "القرطبي" ١/ ٢٢٣.

صفحة رقم 301

جعلها سبعًا بعد ما خلق الأرض، وقد كانت السماء قبل ذلك مخلوقة، كما قال أهل التفسير: إنها كانت قبل دخانًا (١).
وكان أبو عمرو والكسائي يخففان (وهو)، (فهو) ويسكنان (الهاء) مع الواو والفاء واللام (٢).
وذلك أنهما يجعلان هذه الحروف كأنها من نفس الكلمة، لما (٣) لم يكن لها إذا (٤) أفردت معنى، فأشبهت في حال دخولها الكلمة ما كان من نفسها (٥).
وإذ كان كذلك خففت (الهاء) كما خففت (العينات) (٦) في (سَبُع)

(١) في هذِه المسألة نزاع بين المفسرين، وقول الجمهور على أن الله خلق الأرض أولا، ثم خلق السماء، لكن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. وجمع "القرطبي" بين الأقوال بأن الدخان الذي خلقت منه السماء خلق أولا، ثم الأرض ثم سويت السماء من ذلك الدخان ثم دحيت الأرض بعد ذلك، وعلى هذا يدل كلام الواحدي، انظر. "تفسير الطبري" ١/ ١٩٣ - ١٩٥، "تفسير أبي الليث" ١/ ١٠٧، "زاد المسير" ١/ ٥٨، "الكشاف" ١/ ٢٧١، "القرطبي" ١/ ٢١٩ - ٢٢١، و"ابن كثير" ١/ ٧٢ - ٧٣.
(٢) الهاء إذا سبقت بالواو أو الفاء أو اللام أو ثم (وهو، فهو، ولهو، وثم، هو) فابن كثير وعاصم وابن عامر وحمزة يقرؤون بتحريك الهاء في ذلك كله، والكسائي بتخفيف ذلك وإسكان الهاء، وأبو عمرو يسكنها في القرآن ماعدا قوله تعالى: ثُمَّ هُوَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [القصص: ٦١]، فيضم الهاء، وعن نافع روايتان التثقيل والتخفيف، انظر "السبعة" لابن مجاهد ص ١٥١، "الحجة" لأبي علي ١/ ٤٠٦، "الكشف" ١/ ٢٣٤، "التيسير" ص ٧٢، "النشر" ٢/ ٢٠٩.
(٣) في (ب): (مما لم).
(٤) في (ب): (إذ).
(٥) في (ب): (تقسيمها).
(٦) في (ب): (العينان).

صفحة رقم 302

و (عَضُد) (١) ونحوهما، ولا يخففان (٢) ثُمَّ هُوَ [القصص: ٦١] لأنه لا يستقيم أن يجعل (ثم) بمنزلة (الفاء) وما كان على حرف. والحرف الواحد قل يجعل كأنه من نفس الكلمة (٣)، وذلك قولهم: (لعمري وَرَعَمْلِي) فقلبوه مع اللام، واللام زائدة (٤).
ومثل تخفيفهم (٥) (لَهْو) قولهم: (أَرَاك مُنْتَفْخاً) (٦) لما كان (تَفِخًا) (٧)، مثل [كَتِف] (٨) خفف، وكذلك قراءة من قرأ (٩) وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ [النور: ٥٢]، لما كان (تَقِه) (١٠)، مثل (كتف) خفف.
ومثل ذلك ما أنشده الخليل:

أَلاَ رُبَّ مَوْلُودٍ وَلَيْسَ لَهُ أَبٌ وَذِي وَلَدٍ لَمْ يَلْدهُ أَبَوَانِ (١١)
(١) فيقال: (سَبْع) و (عَضْد) بتسكين العين. انظر: "الحجة" ١/ ٤٠٧، "الكشف" لمكي ١/ ٢٣٤.
(٢) قوله: (ولا يخففان) يعود على الكسائي وأبي عمرو، والصحيح (ولا يخفف أبو عمرو، أما الكسائي فإنه يخفف (ثم هو) انظر: "الحجة" ١/ ٤٠٧ - ٤٠٩، فلعل العبارة تصحيف، أو وهم من المؤلف.
(٣) إذا اتصل بالكلمة بخلاف (ثم)، انظر: "الحجة" ١/ ٤٠٨.
(٤) فجعلوا اللام كأنها من بنية الكلمة، وأبدلوها مكان (الراء).
(٥) في (ب): (تحقيقهم).
(٦) في (ب): (مستحقا).
(٧) الأصل في (تفخا) كسر الفاء، وخففت في (مُنْتَفْخاً) بالإسكان.
(٨) في جميع النسخ (كيف) والتصحيح من "الحجة" ١/ ٤٠٨، و (كتف) يخفف في لغة بإسكان الوسط فيقال. (كَتْف).
(٩) وهي قراءة حفص عن عاصم (ويَتَّقْه)، انظر "السبعة" ص ٤٠٨، "الكشف" ٢/ ١٤٠.
(١٠) أي أنه شبه (تقه) (كتف) حيث خفف الثاني بالإسكان.
(١١) البيت لعمرو الجنبي، ونسبه سيبويه لرجل من أزد السراة، والمولود الذي ليس له =

صفحة رقم 303

لما كان (يلد)، مثل (كتف) (١) خفف، ثم حرك الدال لالتقاء الساكنين، لأنه (٢) كان يجب أن يسكن علامة للجزم، فهذه الأشياء متصلة، وقوله: (فهو وهو ولهو) في حكمها، وليس كذلك (ثم هو) (٣) ألا ترى أن (ثم) منفصل من (هو) (٤) لإمكان الوقف عليها وإفرادها مما بعدها، وليست الكلم التي على حرف واحد كذلك. ولمن (٥) خفف (ثم هو) أن يقول (٦): إن (ثم) مثل الفاء والواو واللام في أنهن لسن (٧) من الكلمة، كما أن (ثم) ليس منها، وقد جعلوا المنفصل بمنزلة المتصل في أشياء، ألا ترى أنهم أدغموا (٨) نحو (يدْ دّاود) و (وجَعَلْ (٩) لَّك) كما أدغموا (رَدَّ) (١٠) و (عَدَّ)،

= أب هو عيسى عليه السلام، والذي لم يلده أبوان هو آدم. والشاهد في البيت (يَلْدَه) أراد لم يلده بسكون الدال، فلما التقى ساكنان اللام والدال حرك الدال بحركة أقرب متحرك منها وهو الياء ففتحها. ورد البيت في "الكتاب" ٢/ ٢٦٦، "الكامل" ٣/ ١٧٧، "الحجة" ١/ ٦٦، ٤٠٩، "التكملة" ص ٧، "المخصص" ١٤/ ٢٢١، ١٧/ ٦٣، "الخصائص" ٢/ ٣٣٣، "شرح المفصل" ٤/ ٤٨، ٩/ ١٢٣، ١٢٦، "مغنى اللبيب" ١/ ١٣٥، "الهمع" ١/ ١٨٦، "الخزانة" ٢/ ٣٨١.
(١) في (أ)، (ج). (كيف) وأثبت ما في (ب) لأنه الصواب وموافق لما في "الحجة".
(٢) في (ب): (لا كان).
(٣) في (ب): (هوى).
(٤) في (أ)، (ج): (من ها ولا مكان) وأثبت ما في (ب) لأنه هو الصحيح وموافق لما في "الحجة" ١/ ٤٠٩.
(٥) في (ج): (ولم). ومن خفف هو الكسائي: انظر: "الحجة" ١/ ٤٠٩.
(٦) في (ج): (تقول).
(٧) في (ب): (ليس).
(٨) في (ب): (أقدموا).
(٩) فأدغموا الدال من (يد) في دال (داود) وهما في كلمتين منفصلتين وكذا (جعل لك).
(١٠) وهما في كلمة واحدة.

صفحة رقم 304

ومثل هذا قول امرئ القيس:
فَالْيَومَ أَشْرَبْ غَيْرَ (١) مُسْتَحْقِبِ (٢)
فـ (رَبْ غَيْ) (٣) مثل: (سبع)، وقد أسكن. وأنشد أبو زيد على هذ:
قَالَتْ سُلَيْمَى اشْتَرْ لَنَا دَقِيقًا (٤)

(١) (غير) ساقطة من (ج)
(٢) البيت لامرئ القيس وتمامه:
إِثْمًا مِنَ الله وَلَاَ واغِل
قاله بعد أن أدرك ثأره في أبيه، وكان قد نذر لا يشرب الخمر، فلما أدرك ثأره رأى أنه تحلل من نذره، والمستحقب: المتكسب، وأصل الاستحقاب حمل الشيء في الحقيبة، والواغل: الداخل على القوم يشربون ولم يدع. والبيت من "شواهد سيبويه" ٤/ ٢٠٤، "الحجة" ١/ ١١٧/، ٤١٠، ٢/ ٨٠، "نوادر أبي زيد" ص١٨٧، "الخصائص" ١/ ٧٤، ٢/ ٣١٧، ٣٤٠، ٣/ ٩٦، "شرح المفصل" ١/ ٤٨، "الهمع" ١/ ١٨٧، "الخزانة" ١/ ١٥٢، ٣/ ٤٦٣، ٤/ ١٠٦، ٤٨٤، ٨/ ٣٣٩، وفي "ديوان امرئ القيس" ص ١٢٢، برواية (أسقى) بدل أشرب، وعليه فلا شاهد فيه، وبهذا أخذ المبرد، ولكنه في "الديوان" ص ١٣٤، برواية (أَشربْ) والشاهد فيه عند النحويين، تسكين الحرف في أشرب، وحذف الضمة.
(٣) في (ب): (على)، وفي "الحجة" فـ (رب غ) أي أنه جعل آخر كلمة (أشرب) مع أول كلية (غير) مثل كلمة واحد كـ (سبع) فأسكن.
(٤) الرجز لرجل من كندة يقال له: (العُذَاِفِر الكندي) وبعده:
وهَات بُرَّ البَخْسِ أَوْ دَقِيقَا
وفي جميع المصادر (سويقا) بدل (دقيقًا)، أورده أبو زيد في "النوادر" ص ١٧٠، وفي "الحجة" لأبي على١/ ٦٧، ٤١٠، "التكملة" ص ٨، "الخصائص" ٢/ ٣٤٠، ٣/ ٩٦، "المنصف" ٢/ ٢٣٧، "اللسان" (بخس) ٦/ ٢٥. وبهذا البيت ينتهي ما نقله الواحدي في هذا الموضع من (الحجة) أبي علي الفارس بتصرف ١/ ٤٠٧، ٤١٠، وانظر: "الحجة في القراءات" لابن خالويه ص ٧٣، "الكشف" لمكي ١/ ٢٣٤، ٢٣٥.

صفحة رقم 305

التفسير البسيط

عرض الكتاب
المؤلف

أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي

الناشر عمادة البحث العلمي - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.
سنة النشر 1430
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية