الذين يؤمنون بالغيب صفة مقيدة للمتقين إن فسر بالتقوى عن الشرك وإلا فموضحة مشتملة على أصول الأعمال من الإيمان فإنه رأس الأمر كله، والصلاة فإنها عماد الدين، والزكاة فإنها قنطرة الإسلام، أو مادحة، أو مبتدأ وخبره أولئك على هدى قرأ أبو جعفر وأبو عمرو وورش يؤمنون بالوال بدلا من الهمزة، وكذلك أبو جعفر يترك كل همزة ساكنة ويبد لها واوا بعد ضمة وياء بعد كسرة إلا في أنبئهم ونبئهم و نبئنا وأبو عمرو كلها إلا ما كان السكون فيه للجزم نحو يهيئ أو يكون فيه خروج من لغة إلى لغ ك المؤصدة و رءيا وورش كل همزة ساكنة في فاء الفعل إلا تؤى و تؤيه ولا يترك الهمزة في عين الفعل إلا باب الرؤيا وما كان على وزن فعل مكسور العين، والإيمان في اللغة التصديق كما في قوله تعالى : وما أنت بمؤمن لنا ١ وذلك يكون بالقلب واللسان وفي الشرع التصديق بالقلب واللسان جميعا بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم وعلم قطعا، ولا يعتبر التصديق بالقلب بدون اللسان إلا في حالة الإكراه، قال الله تعالى : وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ٢ وقال : يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ٣ وقال : إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان ٤ ولا يعتبر التصديق باللسان بدون القلب أصلا قال الله تعالى : والله يشهد إن المنافقين لكاذبون ٥ وأما الأعمال فغير داخلة في الإيمان، ولذا صح عطف يقيمون الصلاة على يؤمنون وعطف ءامنوا وعلموا الصالحات روى مسلم في الصحيح عن عمر بن الخطاب قال : بينما نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يرى عليه أثر السفر ولا يعرفه منا أحد حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ووضع كفيه على فخذيه وقال : يا محمد أخبرني عن الإسلام ؟ قال : الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا، قال : صدقت، فعجنبا له يسأله ويصدقه، قال : أخبرني عن الإيمان ؟ قال : أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال : صدقت، قال : فأخبرني عن الإحسان ؟ قال : أن تعبد ربك كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك، قال : أخبرني عن الساعة ؟ قال : ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، قال : فأخبرني عن أماراتها ؟ قال : أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان، قال : ثم انطلق فلبث مليا ثم قال لي : يا عمر أتدري من السائل ؟ قلت : الله ورسوله أعلم، قال : فإنه جبرئيل أتاكم يعلمكم دينكم »٦ ورواه أبو هريرة مع اختلاف وفيه «إذا رأيت الحفاة العراة الصم البكم ملوك الأرض في خمس لا يعلمهن إلا الله ثم قرأ إن اله عنده علم الساعة وينزل الغيث » الآية متفق عليه. وهذا الحديث يدل على أن الإسلام اسم لما ظهر من الأعمال، وكذا قوله تعالى :{ قالت الأعراب ءامنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ٧ ويطلق الإسلام أيضا على الإيمن كما في قوله تعالى : قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين ٨ فهو في اصطلاح الشرع مشترك في المعنيين، والغيب مصدر وصف به للمبالغة كالشهادة قال الله تعالى : عالم الغيب والشهادة ٩ والمراد به : ما غاب عن أبصارهم من ذات الله وصفاته والملائكة والبعث والجنة والنار والصراط والميزان وعذاب القبر وغير ذلك فهو واقع موقع المفعول به للإيمان والباء صلة، أو بمعنى الفاعل وقع حالا من فاعل يؤمنون يعني يؤمنون غائبين عنكم لا كالمنافقين في حضور المؤمنين خاصة دون الغيبة وقيل عن المؤمن به، روي عن ابن مسعود أنه قال إن أمر محمد صلى الله عليه وسلم كان بينا لمن رآه والذي لا إله غيره ما من أحد قط أفضل إيمانا من إيمان بغيب ثم قرأ : ألم ذلك الكتاب إلى قوله : المفلحون .
ويقيمون الصلاة أي يحافظون على حدودها وشرائطها وأركانها وصفاتها الظاهرة من السنن والآداب والباطنة من الخشوع والإقبال، من أقام العود إذا قومه، أو يديمونها ويواظبون عليها من قامت السوق إذ نفقت وأقمتها إذا جعلتها نافقة. والصلاة أصله الدعاء وسميت بها لاشتمالها عليه، قرأ ورش بتغليظ اللام إذا تحرك بالفتح بعد الصاد- او الطاء- والظاء- نحو الصلوات- مصلى- واظُلَمُ- والطلاق- ومعطلة- وبطل- ونحو ذلك وقرأ الباقون بالترقيق إلا في لفظة الله خاصة إذا انفتح أو انضم ما قبله فيفخمونه أجمعون. ومما رزقهم ينفقون الرزق في اللغة : الحظ، قال الله تعالى : ويجعلون رزقكم أنكم تكذبون ١٠ ويطلق على كل ما ينتفع به الحيوان، والإنفاق في الأصل : الإخراج عن اليد والملك، ومنه نفاق السوق حيث يخرج فيه السلعة، والمراد به صرف المال في سبيل الخير هذه الآية في المؤمنين من مشركي العرب.
٢ سورة النمل، الآية: ١٤.
٣ سورة البقرة، الآية: ١٤٦.
٤ سورة النحل، الآية: ١٠٦.
٥ سورة المنافقون، الآية: ١.
٦ أخرجه البخاري في كتاب: التفسير، باب: إن الله عنده علم الساعة٤٧٧٧ وأخرجه مسلم في كتاب: الإيمان، باب: بيان الإيمان والإسلام والإحسان ووجوب الإيمان بإثبات قدر الله سبحانه وتعالى٨.
٧ سورة الحجرات، الآية: ١٤.
٨ سورة البقرة، الآية: ١٣١.
٩ سورة الأنعام، الآية: ٧٣.
١٠ سورة الواقعة، الآية: ٨٢.
التفسير المظهري
المظهري