ﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤ

الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون { ٣ }.
الإيضاح :
الذين يؤمنون بالغيب الإيمان تصديق جازم يقترن بإذعان النفس واستسلامها، وأمارته العمل بما يقتضيه الإيمان، وهو يختلف باختلاف مراتب المؤمنين في اليقين.
والغيب ما غاب عنهم علمه كذات الله وملائكته والدار الآخرة وما فيها من البعث والنشور والحساب.
والإيمان بالغيب هو اعتقاد بموجود وراء المحسات متى أرشد إليه الدليل أو الوجدان السليم، ومن يعتقد بهذا يسهل عليه التصديق بوجود خالق للسماوات والأرض منزه عن المادة وتوابعها، وإذا وصف له الرسول العوالم التي استأثر الله بعلمها كعالم الملائكة، أو وصف له اليوم الآخر لم يصعب عليه التصديق به بعد أن يستقين صدق النبي الذي جاء به.
أما من لا يعرف إلا ما يدركه الحس فإنه يصعب إقناعه، وقلما تجد الدعوة إلى الحق من نفسه سبيلا.
ويقيمون الصلاة الصلاة في اللغة الدعاء كما قال تعالى : وصل عليهم ودعاء المعبود بالقول أو بالفعل أو بكليهما يشعر العابد بالحاجة إليه استدرارا للنعمة أو دفعا للنقمة.
والصلاة على النحو الذي شرعه الإسلام من أفضل ما يعبر عن الشعور بعظمة المعبود وشديد الحاجة إليه لو أقيمت على وجهها. أما إذا خلت من الخشوع والخضوع فإنها تكون صلاة لا روح فيها، وإن كانت قد وجدت صورتها وهي الكيفيات المخصوصة، ولا يقال للمصلي حينئذ إنه امتثل أمر ربه فأقام الصلاة، لأن الإقامة مأخوذة من أقام العود إذا سواه وأزال اعوجاجه، فلا بد فيها من حضور القلب في جميع أجزائها واستشعار الخشية ومراقبة الخالق كأنك تنظر إليه كما ورد في الحديث ( اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ).
ولما للصلاة من خطر في تهذيب النفوس والسمو بها إلى الملكوت الأعلى أبان الله تعالى عظيم آثارها بقوله : إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وجعلها النبي صلى الله عليه وسلم عماد الدين فقال :( الصلاة عماد الدين والزكاة قنطرة الإسلام ).
وقد أمر الله بإقامتها بقوله : وأقيموا الصلاة وبالمحافظة عليها وإدامتها بقوله : الذين هم على صلاتهم دائمون وبأدائها في أوقاتها لقوله : إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وبأدائها في جماعة بقوله : واركعوا مع الراكعين وبالخشوع فيها بقوله : الذين هم في صلاتهم خاشعون .
ومما رزقناهم ينفقون الرزق في اللغة العطاء، ثم شاع استعماله فيما ينتفع به الحيوان وجمهرة المسلمين على أن كل ما ينتفع به حلالا كان أو حراما فهو رزق، وخصه جماعة بالحلال فقط.
والإنفاق والإنفاد أخوان، خلا أن في الثاني معنى الإذهاب التام دون الأول، والمراد بالإنفاق هنا ما يشمل النفقة الواجبة على الأهل والولد وذوي القربى، وصدقة التطوع.
وفي قوله : مما رزقناهم إيماء إلى أن النفقة المشروعة تكون بعض ما يملك الإنسان، لا كل ما يملك، وإلى تعليم الإنسان مبادئ الاقتصاد وحب ادخار المال.
وإن من يجد في نفسه ميلا إلى بذل أحب الأشياء إليه، وهو ماله ابتغاء رضوان الله، وقياما بشكره على أنعمه، رحمة لأهل البؤس والعوز –كان من المتقين المستعدين لهدى القرآن، وكثير من الناس يصلون ويصومون، ولكن إذا عرض لهم ما يدعو إلى إنفاق شيء من المال في سبيل الله، كأن تدعو الحاجة إلى إنفاقه في مصلحة من مصالح المسلمين أو منفعة عامة لا تقوم إلا بالبذل –أعرضوا ونأوا ولم تطوعهم أنفسهم على بذل شيء منه.
وإنما كان القرآن هدى للمتقين الذي هذه أوصافهم، لأن الإيمان بالله والإيمان بحياة أخرى بعد هذه الحياة يوفى فيها كل عامل جزاء عمله –يهيئ النفوس لقبول هديه والاقتباس من أنواره.
وبين ذلك بعضهم بقوله : لأن في الإيمان النجاة، وفي الصلاة المناجاة، وفي الإنفاق زيادة الدرجات، وبعضهم بقوله : لأن في الإيمان البشارة، وفي الصلاة الكفارة، وفي الإنفاق الطهارة.

تفسير المراغي

عرض الكتاب
المؤلف

المراغي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير