قيل ذلك الكتاب أي هذا الكتاب، وقيل إشارة إلى ما تقدم إنزاله من الخطاب، وقيل ذلك الكتاب الذي وعدتك إنزاله عليك يوم الميثاق.
لا ريب فيه، فهذا وقت إنزاله. وقيل ذلك الكتاب الذي كتبت فيه الرحمة على نفسى لامتك- لا شك فيه، فتحقق بقولي.
وقيل الكتاب الذي هو سابق حكمى، وقديم قضائى لمن حكمت له بالسعادة، أو ختمت عليه بالشقاوة لا شك فيه.
وقيل (حكمى الذي أخبرت أن رحمتى سبقت على غضبى لا شك فيه «١» ).
وقيل إشارة إلى ما كتب فى قلوب أوليائه من الإيمان والعرفان، والمحبة والإحسان، وإن كتاب الأحباب عزيز على الأحباب، لا سيما عند فقد اللقاء، وبكتاب الأحباب سلوتهم وأنسهم، وفيه شفاؤهم وروحهم، وفى معناه أنشدوا:
| وكتبك حولى لا تفارق مضجعى | وفيها شفاء للذى أنا كاتم |
| ورد الكتاب بما أقرّ عيوننا | وشفى القلوب فنلن غايات المنى |
| وتقاسم الناس المسرة بينهم | قسما وكان أجلهم حظّا أنا «٢» |
قوله جل ذكره:
[سورة البقرة (٢) : آية ٣]
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)
(٢) لم يكن الناسخ يظهر اهتماما بأبيات الشعر فوصلتنا رديئة الخط كثيرة الأخطاء فقمنا بتصحيحها بقدر الإمكان حتى تبدو ذات معنى، وذلك استنادا إلى حالة لها اكثر ضبطا إما في مواضع أخرى من هذا الكتاب أو من كتب القشيري الأخرى.
حقيقة الإيمان التصديق ثم التحقيق، وموجب الأمرين التوفيق. والتصديق بالعقل والتحقيق ببذل الجهد، فى حفظ العهد، ومراعاة الحد. فالمؤمنون هم الذين صدّقوا باعتقادهم ثم الذين صدقوا فى اجتهادهم.
وأمّا الغيب فما يعلمه «١» العبد مما خرج عن حد الاضطرار فكل أمر دينى أدركه العبد بضرب استدلال، ونوع فكر واستشهاد فالإيمان به غيبيّ. فالرب سبحانه وتعالى غيب.
وما أخبر الحق عنه من الحشر والنشر، والثواب والمآب، والحساب والعذاب- غيب.
وقيل إنما يؤمن بالغيب من كان معه سراج الغيب، وأن من أيّدوا ببرهان العقول آمنوا بدلالة العلم وإشارة اليقين، فأوردهم صدق الاستدلال ساحات الاستبصار، وأوصلهم صائب الاستشهاد إلى مراتب السكون فإيمانهم بالغيب بمزاحمة علومهم دواعى الريب.
ومن كوشف بأنواع التعريف أسبل عليهم سجوف الأنوار، فأغناهم بلوائح البيان عن كل فكر وروية، وطلب بخواطر ذكية، وردّ وردع لدواع ردية، فطلعت شموس أسرارهم فاستغنوا عن مصابيح استدلالهم، وفى معناه أنشدوا:
| ليلى من وجهك شمس الضحى | وظلامه فى الناس سارى |
| والناس فى سدف الظلا | م ونحن فى ضوء النهار |
| طلعت شمس من أحبّك ليلا | فاستضاءت ومالها من غروب |
| إن شمس النهار تغرب بالليل | وشمس القلوب ليست تغيب «٢» |
وأمّا إقامة الصلاة فالقيام بأركانها وسننها ثم الغيبة «٣» عن شهودها برؤية من يصلّى له «٤»
(٢) وردت (مما لها)، (وتغيب بالليل)، (ليت تغيب) وقد صححنا ذلك بما يتلاءم مع الوزن والمعنى
(٣) وردت (ثم الغيت) وهى خطأ من الناسخ والأصح (الغيبة) كما سنجد فى الهامش التالي.
(٤) القشيري هنا متأثر بفكرة الواسطي حينما دخل نيسابور وسأل أصحاب أبى عثمان: بماذا كان يأمركم شيخكم؟ فقالوا: كان يأمرنا بالتزام الطاعات ورؤية التقصير فيها. فقال «.... هلا أمركم بالغيبة عنها برؤية منشئها ومجريها» الرسالة ص ٣٤.
فيحفظ عليه أحكام الأمر بما يجرى عليه منه، وهو عن ملاحظتها محو، فنفوسهم مستقبلة القبلة، وقلوبهم مستغرقة فى حقائق الوصلة:
| أرانى إذا صلّيت يمّمت نحوها | بوجهي وإن كان المصلّى ورائيا |
| أصلى فلا أدرى إذا ما قضيتها | أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا؟ |
قوله جل ذكره: وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ الرزق ما تمكّن الإنسان من الانتفاع به، وعلى لسان التفسير أنهم ينفقون أموالهم إمّا نفلا وإما فرضا على موجب تفصيل «١» العلم. وبيان الإشارة أنهم لا يدخرون عن الله سبحانه وتعالى شيئا من ميسورهم فينفقون نفوسهم فى آداب العبودية، وينفقون قلوبهم على دوام مشاهدة الربوبية. فإنفاق أصحاب الشريعة من حيث الأموال، وإنفاق أرباب الحقيقة من حيث الأحوال، فهؤلاء يكتفى منهم عشرين بنصف ومن المائتين بخمس «٢»، وعلى هذا السّنن جميع الأموال يعتبر فيه النّصاب. وأمّا أهل الحقائق فلو جعلوا من جميع أحوالهم- لأنفسهم ولحظوظهم- لحظة قامت عليهم القيامة.
[فصل] الزاهدون أنفقوا فى طريقة متابعة هواهم، فآثروا رضاء الله على مناهم، والعابدون أنفقوا فى سبيل الله وسعهم وقواهم، فلازموا سرا وعلنا نفوسهم. والمريدون أنفقوا فى سبيله ما يشغلهم عن ذكر مولاهم فلم يلتفتوا إلى شىء من دنياهم وعقباهم. والعارفون أنفقوا فى سبيل الله ما هو سوى مولاهم فقرّبهم الحق سبحانه وأجزاهم، وبحكم الإفراد به لقّاهم.
(٢) إشارة إلى ان زكاة الأموال مقدارها ربع العشر.
تفسير القشيري
عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري
إبراهيم البسيوني