أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أي بالطاعة وفيه تقرير مع توبيخ وتعجيب. والبر : التوسع في الخير مشتق من البر هو الفضاء الواسع يتناول كل خير، قال البغوي : نزلت في علماء اليهود وذلك أن الرجل منهم كان يقول لقريبه وحليفه من المسلمين إذا سأله عن أمر محمد صلى الله عليه وسلم أثبت على دينه فإن أمره حق وقوله صدق، وكذا أخرج الواحدي عن ابن عباس، وقيل : هو خطاب لأحبارهم حيث أمروا أتباعهم بالتمسك بالتوراة وهم خالفوا التوراة وغيروا نعت محمد صلى الله عليه وسلم فيه. وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ تتركونها من البر كالمنسيات وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ التوراة وفيها نعت محمد صلى الله عليه وسلم وصفته وفيها الوعيد على العناد ومخالفة القول العمل وترك البر. أَفَلاَ تَعْقِلُونَ قبح صنعكم أو أفلا عقل لكم يمنعكم عما تعلمون قبح عاقبته، والعقل في الأصل الحبس ومنه عقال الدابة، فإن العقل يمنع الإنسان عما يضره يعني ما تفعلون مخالف للعلم والعقل، روى البغوي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«رأيت ليلة أسري بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قلت : من هؤلاء يا جبرائيل ؟ قال هؤلاء خطباء من أمتك يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب »(١) وروى أيضا عن أسامة بن زيد قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه فيدور كما يدور الحمار برحاه فيجتمع أهل النار عليه فيقولون : أي فلان ما شأنك ؟ ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر ؟ قال : كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه وأنهاكم عن المنكر وآتيه »(٢) قال البيضاوي : المراد بالآية حث الواعظ على تزكية النفس وتكميله لا منع الفاسق عن الوعظ فإن الإخلال بأحد الأمرين المأمور بهما لا يوجب الإخلال بالآخر، قلت : فمعنى قوله تعالى : كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون (٣) إن معصية العالم أكبر مقتا عند الله من معصية الجاهل لا أن أمره بالمعروف ممقوت والله أعلم.
٢ أخرجه البخاري في كتاب: بدء الخلق، باب: صفة النار وأنها مخلوقة٣٢٦٧ وأخرجه مسلم في كتاب: الزهد والرقائق، باب: عقوبة من يأمر بالمعروف ولا يفعله٢٩٨٩.
٣ سورة الصف، الآية: ٢.
التفسير المظهري
المظهري