٤٦ - وقوله تعالى: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ الآية. أبو عبيد (١) عن أبي عبيدة قال: (الظن) يقين وشك (٢)، وأنشد:
| ظَنِّي بِهِمْ كَعَسَى وَهُمْ بِتَنوُفَةٍ | يَتَنَازَعُونَ جَوَانِبَ الأَمْيَالِ (٣) |
والعرب تقول لليقين: ظن، وللشك: ظن (٦)، لأن في الظن طرفا (٧)
(٢) "مجاز القرآن" ١/ ٣٩، "التهذيب" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، "الأضداد" لابن الأنباري ص١٤، والأصمعي ص ٣٤، والسجستاني ص ٧٧، وابن السكيت ص ١٨٨، والصغاني ص ٢٣٨ (ضمن ثلاثة كتب في الأضداد).
(٣) يروى البيت (ظن) و (ظنوا) بدل (ظني) وفي "الجمهرة": (عهدي بهم) في موضع: (ظني بهم) وفي عدد من المصادر "جوائز الأمثال" وفي "الجمهرة" (جوائب) ويروى (سوائر). ولم أجد رواية (جوانب الأميال) والتنوفة: الفلاة، يتنازعون، يتجاذبون، جوائز الأمثال: (الأمثال السائرة) في البلاد، وبمعناه: (جوائب الأمثال) من جاب يجوب. ورد البيت في "الأضداد" لابن الأنباري ص ٢٣، "الأضداد" للأصمعي ص ٣٥، والسجستاني ص ٩٥، وابن السكيت ص ١٨٨، "تهذيب اللغة" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، "اللسان" ٢/ ٧٢٤ (جوز)، و٥/ ٢٧٦٢ (ظن)، و٥/ ٢٩٥٠ (عسا)، "الجمهرة" ١/ ١٥٤، ٢/ ٩٣٥، "الخزانة" ٩/ ٣٣٣.
(٤) "تهذيب اللغة" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣.
(٥) "تهذيب اللغة" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، وانظر: "الأضداد" لابن السكيت ص ١٨٨، "الخزانة" ٩/ ٣١٣.
(٦) قوله: (وللشك ظن) ساقط من (ب).
(٧) في (ج): (طرف).
من اليقين (١). قال الله تعالى: إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) [الحاقة: ٢٠]، وقال: وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا [الكهف: ٥٣]، وقال (٢): إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا [البقرة: ٢٣٠] كل هذا بمعنى اليقين (٣).
وقال دريد بن (٤) الصمة:
| فَقُلْتُ لَهُمْ ظُنُّوا بَأَلْفَيْ مُدَجَّجٍ | سَرَاتُهُمُ فِي الفَارِسِيِّ المُسَرَّدِ (٥) |
وحكى الزجاج عن بعض أهل اللغة: أن الظن يقع في معنى العلم [الذي لم تشاهده، وإن كان قد قام في نفسك حقيقة (٦).
(٢) في (أ)، (ج): (وان ظنا) بسقوط (قال).
(٣) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٢، "تهذيب اللغة" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، "الأضداد" لابن الأنباري ص ١٤.
(٤) (بن) ساقط من (ج). ودريد: مصغر: أدرد واسمه معاوية بن الحارث من هوازن، كان شجاعا شاعرًا فحلًا، قتل في حنين مشركًا. انظر ترجمته في "الشعر والشعراء" ص ٥٠٤، "الخزانة" ١١/ ١١٨.
(٥) ظنوا: أيقنوا، و (المدجج): التام السلاح، سَرَاتُهم: خيارهم وأشرافهم، الفارسي المسرد: الدروع. ورد البيت في "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٢. "المجاز" ١/ ٤٠، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٦، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٦٩ ب، "الأصمعيات" ص ١٩٩، "الأضداد" لابن الأنباري ص ١٤، "الجمل" للزجاجي ص ١٩٩، "جمهرة أشعار العرب" ص٢١١، "اللسان" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢، "شرح المفصل" ٧/ ٨١، "الخزانة" ١١/ ٢٧٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٣٢١، "فتح القدير" ١/ ١٢٥، "ديوان دريد" ص ٤٧.
(٦) "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٦. وقال: وهذا مذهب، إِلا أن أهل اللغة لم يذكروا هذا. قال أبو إسحاق: وهذا سمعته من إسماعيل بن إسحاق القاضي -رحمه الله- رواه عن زيد بن أسلم.
وقال أبو عباس: إذا كانت براهين العلم] (١) أكثر من اعتراضات الشك، كان الظن يقينًا وعلمًا. وإذا كانت اعتراضات الشك أكثر من اعتراضات اليقين كان الظن كذباً. وإذا كانت اعتراضات اليقين واعتراضات الشك سواء كان ذلك ظنا، أي: كان الظن شكا (٢).
وقال الليث: الظن يكون (٣) اسما ومصدرا، تقول: ظننت ظنا، هذا مصدر، وتقول (٤): ظني به حسن، وما هذه الظنون، لما صيرته اسمًا جمعته، كقول النابغة (٥):
| أَتَيتُك عَارِيًا خَلَقًا ثِيَابِي | عَلَى خَوْفٍ تُظَنُّ بِيَ الظُّنُونُ (٦) |
(٢) ذكره ابن الأنباري في (الأضداد) مع اختلاف العبارة ص ١٦.
(٣) في (ج): (يكو).
(٤) في (أ)، (ج): (يقول) مع سقوط الواو.
(٥) هو الذبياني.
(٦) ورد البيت في "الشعر والشعراء" ص ٨٤، وفي "تهذيب اللغة" (عرا) ٣/ ٢٣٧٣، وفيه (على عجل) بدل (خوف)، وورد الشطر الأول في "اللسان" (عرا) ٥/ ٢٩٨، وهو في "ديوان النابغة" ص ٧٣، وفيه (فجئتك).
(٧) في (ب): (ترحح).
(٨) انظر: "الوجوه والنظائر" لابن الجوزي ص ٤٢٤.
| الأَلمَعِيُّ الذِي يَظُنُ لَكَ الظَّـ | ـنَّ كَمَنْ قَدْ رَأى وَقَدْ سَمِعَا (١) |
وسئل أبو عمرو بن العلاء عن الظن، فقال: النظر في المطلوب بضرب من الأمارة، بمعنى أن الأمارة لما كانت مترددة بين يقين وشك، فتقرب (٧)
(٢) في (ج): (وحقيقة)
(٣) انظر: "الأضداد" لابن الأنباري ص ١٤، "الأضداد" لقطرب ص ٧١، "الأضداد" للأصمعي ص ٣٤، وللسجستاني ص ٧٦، ولابن السكيت ص ١٨٨، (والثلاثة الأخيرة ضمن ثلاثة كتب في الأضداد) "تهذيب اللغة" (ظن) ٣/ ٢٢٥٣، "اللسان" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢.
(٤) في (ج): (يوو).
(٥) في (أ)، (ج): (فإن)، وأثبت ما في (ب) لأنه أولى في السياق
(٦) انظر: "غريب الحديث" للخطابي ٣/ ٢٦، "اللسان" (ظن) ٥/ ٢٧٦٢.
(٧) في (أ): (فنفرت)، وفي (ج): (فيقرب) وأثبت ما في (ب).
تارة (١) من طرف الشك وتارة من طرف اليقين صار (٢) أهل اللغة يفسرونه بهما (٣).
وقال الأخفش في قوله: الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ: إنما استعمل الظن بمعنى العلم في هذا الموضع لأمرين: أحدهما: أنه تنبيه أن علم أكثر الناس بالله في الدنيا، بالإضافة إلى علمه به في الآخرة كالظن في جنب العلم.
والثاني. أن العلم الحقيقي في الدنيا بأمور الآخرة لا يكاد يحصل إلا للنبيين والصديقين.
(والملاقاة) و (اللقاء) يحتمل معاني العيان والاجتماع والمحاذاة، والمصير (٤).
كقوله: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [يونس: ٧]، أي المصير إلينا، وقال: قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ [الجمعة: ٨]، أي مجتمع معكم وصائر إليكم.
قال ابن عباس: يريد الذين يستيقنون أنهم مبعوثون، وأنهم محاسبون، وأنهم راجعون إلى الله سبحانه (٥).
و (اللقاء) و (الملاقاة) حيث ذكر في القرآن يحمله المفسرون على
(٢) قوله: (اليقين صار) ساقط من (ب).
(٣) انظر: "مفردات الراغب" ص ٣١٧.
(٤) انظر: "مقاييس اللغة" (لقى) ٥/ ٢٦١، "الفائق" ٣/ ٣٢٥، "مفردات الراغب" ص ٤٥٣، "اللسان" (لقا) ٧/ ٤٠٦٤.
(٥) أورده الواحدي في "الوسيط" عن ابن عباس، ولم أجده عند غيره فيما اطلعت عليه والله أعلم، وبمعناه عن السدي وابن جريج، وانظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٣، و"تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ١٠٣.
البعث والمصير إلى الله كقوله: إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [يونس: ٧]، وقوله: بَلْ هُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ كَافِرُونَ [السجدة: ١٠]، وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا [الفرقان: ٢١].
ولا يمكن حمل الملاقاة في هذه الآية على المعاينة والرؤية (١)، لأن أحداً لا يستيقن (٢) أنه يرى ربه ويعاينه، بل كل واحد منا يرجو ذلك من فضل الله أن يرزقه. وقد فسر الظن هاهنا بمعنى اليقين (٣) فيحمل اللقاء على ما فسره ابن عباس (٤)، ورحمة الله (٥).
وقال أبو علي: معنى قوله: مُلَاقُو رَبِّهِمْ ملاقو ثواب ربهم (٦)،
(٢) في (ج): (الاستيقان).
(٣) وعلى هذا أكثر المفسرين، انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٣، و"تفسير ابن أبي حاتم" ١/ ١٠٣، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٦، و"تفسير الثعلبي" ١/ ٦٩/ ب، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٧٩، و"تفسير ابن كثير" ١/ ٩٣.
(٤) أي: أن المراد به البعث والرجعة إلى الله والجزاء على ما عملوا. انظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ١١٦، و"ابن عطية" ١/ ٢٧٩، و"البغوي" ١/ ٦٩، و"ابن كثير" ١/ ٩٣، "البحر" ١/ ١٨٦.
(٥) لفظ الجلالة غير موجود في (ب).
(٦) ذكر هذا التقدير بعض المفسرين كابن عطية في "تفسيره" ١/ ٢٧٩، و"تفسير القرطبي" ١/ ٣٢١، وأبو حيان في "البحر" ١/ ١٨٦، وإن كانت الآية محتملة له، فالأولى عدم صرفها عن ظاهرها كما قال أبو حيان، وقد قالت المعتزلة بنفي رؤية الله تعالى في الآخرة. وقالوا: لفظ اللقاء لا يفيد الرؤية وأولوا الآية على أن المراد: ملاقو ثواب ربهم، كما قال الزمخشري في "الكشاف" ١/ ٢٧٨، فإن قصد بتأويل الآية على هذا نفي الرؤية فهو مردود، انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٧٩، "تفسير الرازي" ٣/ ٥١، "البحر" ١/ ١٨٦.
خلاف من وصف (١) بقوله: لَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا [البقرة: ٢٦٤]، وقوله: إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا [النور: ٣٩]، ومثله: وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلَاقُوهُ [البقرة: ٢٢٣]، أي: ملاَقو جزائه إن ثوابا، وإن عقابا.
وأراد (ملاقون ربهم) لأنه فيما يستقبل فتثبت (٢) النون (٣)، لأنك تقول: هو ضارب زيدا، إذا كان فيما يستقبل؛ وإذا كان قد مضى حذفت التنوين (٤) لا غير، ويجوز حذفه أيضا وإن كان لما يستقبل، كقوله: كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ (٥) و إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ [الدخان: ١٥] و إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ [العنكبوت: ٣٣] نصبت (٦) (وأهلك) على تقدير النون (٧).
(٢) في (ب): (فيثبت).
(٣) اسم الفاعل إذا كان بمعنى الماضي يضاف لما بعده وتحذف النون، وإذا كان بمعنى الاستقبال أو الحال فعند البصريين لا يضاف، ولهذا قالوا هنا: إن النون حذفت تخفيفا، ثم تتمكن به الإضافة، وهي إضافة غير محضة. أما عند الكوفيين فيجوز إضافته ولو كان بمعنى الاستقبال، انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٥٤، و"تفسير الطبري" ٣/ ٢٦٣، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ٩٧، "تفسير ابن عطية" ١/ ٢٨٠.
(٤) في (ب): (النون).
(٥) آل عمران: ١٨٥، والأنبياء: ٣٥، والعنكبوت: ٥٧.
(٦) في (ب): (نصب).
(٧) أي على تقدير أن النون لم تحذف للإضافة، وأهلك منصوب بالعطف على الكاف في (منجوك)، وقيل: أهلك منصوب بفعل مقدر، أي وننجي أهلك، وهذا عند من جعل الكاف في موضع جرّ، انظر: "معاني القرآن" للأخفش ١/ ٢٥٥، "البحر" ١/ ١٥١.
وإنما كان كذلك (١) لأن الفعل الماضي لم يشابه (٢) الاسم، ولذلك (٣) بني، فالاسم الذي (٤) بمعناه وجب أيضًا أن لا يزال عن أصله، وأصل الأسماء أن تعمل إلا جرّاً، فبقى اسم الفاعل إذا أريد به الماضي على أصله، وإذا أريد به الحال والاستقبال حمل على المضارع لما (٥) بينهما من الشبه، وجاز الجر به إذا أريد به الاستقبال وإن استقرت مشابهته للفعل، لأنه لم يخرج عن حكم الاسمية، لأجل (٦) كونه اسما جاز أن يجر ما بعده، ولأجل ما بينه وبين المضارع من الشبه جاز أن ينصب (٧).
وقوله تعالى: وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. أي يصدقون بالبعث ولا يكذبون.
ومعنى (إليه): إلى أمره وإحيائه ومسألته (٨)، لأنهم لم يخرجوا عن قبضته قط، وملكته ومثله قوله: أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ [الفرقان: ٤٥] أراد إلى أمر ربك (٩)، والمعنى في الجملة إنهم يقرون بالنشأة الثانية،
(٢) في (ب): (يشابهه).
(٣) في (ب): (كذلك).
(٤) أي اسم الفاعل الذي بمعنى الماضي.
(٥) في (أ)، (ج): (إلى) وأثبت ما في (ب)، لأنه الصواب.
(٦) في (ب): ولاجله.
(٧) هذا التعليل على مذهب الكوفيين، أما البصريون فيقولون: تحذف النون أو التنوين منه استثقالاً، وهو مراد، انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٣، و"ابن عطية" ١/ ٢٨٠.
(٨) وقيل: الضمير يرجع إلى الله تعالى. انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٢٦٤، و"تفسير ابن عطية" ١/ ٢٨٠، "البيان" ١/ ٨٠، و"القرطبي" ١/ ٣٢١، "البحر" ١/ ١٨٧.
(٩) قال ابن جرير: (ألم تر يا محمد كيف مد ربك الظل) ١٩/ ١٨، وقال البغوي: (ألم تر إلى مد ربك الظل) ٦/ ٨٦.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي