( ٥٤ ) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( ٥٥ ) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ( ٥٦ ) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ( ٥٧ ) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى : كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليا له ومتأخرا عنه : مهد أولا للتذكير تمهيدا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم – ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها ؛ فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء- : يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبا آخر، وهو مع هذا لا يفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها. ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بهما تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.
لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولا سيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة، لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب عليها فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلها، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعورا اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.
بعد هذا كله استعدت تلك النفوس لأن تسمع آيات مبدوءة بذكر سيئاتها من غير تمهيد ولا توطئة، فانتقل الكلام إلى هذا الضرب من التذكير مبدوء بقوله تعالى وإذ قال موسى لقومه أي واذكر أيها الرسول فيما تلقيه على بني إسرائيل وغيرهم إذ قال موسى لقومه الذين اتخذوا من حليهم عجلا عبدوه إذ كان يناجي ربه في الميقاتين الزماني والمكاني يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل إلها عبدتموه. والقصة مفصلة في سورتي الأعراف وطه المكيتين لأن قصة موسى فيهما مقصودة بالذات، وأما ما هنا فهو تذكير لبني إسرائيل بما تقدم وجهه في سياق دعوتهم إلى الإسلام فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم أي فتوبوا إلى خالقكم الذي لا يجوز أن تعبدوا معه إلها آخر بعضكم بعضا، فإن قتل المرء لأخيه كقتله لنفسه، ويحتمل اللفظ أن يكون معناه ليبخع كل من عبد العجل نفسه انتحارا.
تكلم الأستاذ الإمام في التوبة وقال : إنها محو أثر الرغبة في الذنب من لوح القلب، والباعث عليها هو شعور التائب بعظمه من عصاه وما له من السلطان عليه في الحال، وكون مصيره إليه في المآل، لا جرم أن الشعور بهذا السلطان الإلهي بعد مفارقة الذنب يبعث في قلب المؤمن الهيبة والخشية ويحدث في روحه انفعالا مما فعل وندما على صدوره عنه، ويزيد هذا الحال في النفس تذكر الوعيد على ذلك الذنب، وما رتبه الله عليها من العقوبة في الدنيا والآخرة. هذا أثر التوبة في النفس، وهذا الأثر ويزعج التائب إلى القيام بأعمال تضاد ذلك الذنب الذي تاب منه وتمحو أثره السيء ١١ : ١١٤ إن الحسنات يذهبن السيئات .
فمن علامة التوبة النصوح : الإتيان بأعمال تشق على النفس وما كانت لتأتيها لولا ذلك الشعور الذي يحدثه الذنب. وهذه العلامة لا تتخلف عن التوبة سواء كان الذنب مع الله تعالى أو مع الناس. ألا ترى أن أهون ما يكون من إنسان يذنب مع آخر يباهى به أن يجيء معترفا بالذنب معتذرا عنه ؟ وهذا ذل يشق على النفس لا محالة، وقد أمر بنو إسرائيل بأشق الأعمال في تحقيق التوبة من أكبر الذنوب، وهو الرغبة عن عبادة من خلقهم وبرأهم إلى عبادة ما عملوا بأيديهم وقد قال فتوبوا إلى بارئكم لينبههم إلى أن الإله الحقيقي هو الخالق البارئ ليتضمن الأمر الاحتجاج عليهم والبرهان على جهلهم. ذلك العمل الذي أمرهم به موسى هو قتل أنفسهم. والقصة في التوراة التي بين أيديهم إلى اليوم : دعا موسى إليه من يرجع إلى الرب، فأجابه بنو لاوي فأمرهم بأن يأخذوا السيوف ويقتل بعضهم بعضا ففعلوا، وقتل في ذلك اليوم " نحو ثلاثة آلاف " وقال مفسرنا ( الجلال ) كغيره إن الذين قتلوا سبعون ألفا والقرآن لم يعين العدد، والعبرة المقصودة من القصة لا تتوقف على تعيينه فنمسك عنه. كذا قال الأستاذ الإمام، وهذا مذهبه في جميع مبهمات القرآن عند النص القطعي لا يتعداه، ويثبت أن الفائدة لا تتوقف على سواه.
قال تعالى ذلكم خير لكم عند بارئكم لأنه يطهركم من رجس الشرك الذي دنستم به أنفسكم ويجعلكم أهلا لما وعدكم به في الدنيا ولمثوبته في الآخرة وقوله فتاب عليكم من كلام الله تعالى لا تتمة لكلام موسى عليه السلام في الظاهر وهو معطوف على محذوف تقديره ففعلتم ما أمركم موسى به فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم أي إنه هو وحده الكثير التوبة على عباده بتوفيقهم لها وقبولها منهم، وإن تعددت قبلها جرائمها، الرحيم بهم، ولولا رحمته لعجل بإهلاكهم ببعض ذنوبهم الكبرى ولا سيما الشرك به.
( ٥٤ ) وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم ( ٥٥ ) وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون ( ٥٦ ) ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون ( ٥٧ ) وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى : كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون .
في هذه الآيات ضرب من ضروب التذكير غير ما سبقه، ومن البلاغة والحكمة أن يجيء تاليا له ومتأخرا عنه : مهد أولا للتذكير تمهيدا يسترعي السمع، ويوجه الفكر ويستميل القلب، وهو الابتداء بذكر النعمة مجملة والتفضيل على العالمين ولا يرتاح الإنسان لحديث كحديث مناقب قومه ومفاخرهم – ثم طفق يفصل النعمة ويشرحها ؛ فبدأ بذكر فرد من أفرادها لا يقترن به ذكر سيئة من سيئاتهم وهو تنجيتهم من ظلم آل فرعون، ولكن ذكر معه أكبر ضروب ذلك الظلم وهو قتل الأبناء- : يخفض من عتو تلك النفوس المعجبة المتكبرة التي تعتقد أن الله لا يسود عليهم شعبا آخر، وهو مع هذا لا يفر بها عن الإصغاء والتدبر، لأنه لم يفاجئها بشيء فيه نسبة التقصير وعمل السوء إليها. ثم ثنى بذكر نعمة خاصة خالصة تسكن النفس إلى ذكرها، إذ لا يشوب الفخر بهما تنغيص من تذكر غضاضة تتصل بواقعتها، وهي فرق البحر بهم، وإنجاؤهم، وإغراق عدوهم.
لا جرم أن نفوس الإسرائيليين كانت تهتز وتأخذها الأريحية عندما تلا عليهم النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية لما فيها من الشهادة بعناية الله تعالى بهم، ولا سيما إذا قارنوا بين هذا التذكير وبين تذكير مشركي العرب بتلك القوارع الشديدة، لم يتركها بعد هذه الهزة تجمح في عجبها وفخرها، وتتمادى في إبائها وزهوها، بل عقب عليها فذكر بعد هذه النعمة سيئة لهم هي كبرى السيئات التي ظلموا بها أنفسهم وكفروا نعمة ربهم وهي اتخاذ العجل إلها، وقدم على ذكرها خبر مواعدة موسى وهي من النعم، وختمها بذكر العفو، ثم قفى عليها بذكر نعمة إيتائهم الكتاب والفرقان وهذا ما يجعل أنفس السامعين الواعين قلقة يتنازعها شعورا اعتراف المذكر الواعظ لها بالشرف، وشعور رميه إياها بالظلم والسرف.
تفسير المنار
رشيد رضا