يقول الله جل وعلا : وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم [ البقرة : آية ٥٤ ] أي : واذكروا وإذ قال موسى حين قال موسى لقومه أي : بني إسرائيل يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم أصله :( يا قومي ) منادى مضاف إلى ياء المتكلم، وحذفت ياء المتكلم اكتفاء عنها بالكسرة. وفي المنادى المضاف إلى ياء المتكلم إن كان صحيح الآخر خمس لغات، كلها صحيحة، أكثرها حذف ياء المتكلم كما في هذه الآية. وتلك اللغات عقدها في الخلاصة بقوله :
واجعل منادى صح إن يضف ليا*** كعبد عبدي عبد عبدا عبديا
أصله : يا قومي. إنكم ظلمتم أنفسكم قدمنا معنى الظلم بشواهد العربية، ومعناه في القرآن، وقد جاء في القرآن في موضع واحد مرادا به النقص في قوله : كلتا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا [ الكهف : آية ٣٣ ] أي : ولم تنقص منه شيئا.
وهذه الآية تدل على أن من خالف أمر الله أنه إنما ظلم بذلك نفسه حيث عرضها لسخط الله وعذابه ؛ فضرر فعله عائد إليه وحده، وذلك أكبر باعث على الانزجار والكف ؛ لأن الإنسان لا يحب أن يضر نفسه، ولا أن يجني عليها، فإذا عرف الإنسان أن ضرر فعله إنما هو عائد إليه حاسب.
والباء في قوله : باتخاذكم العجل سببية، يعني أن اتخاذهم العجل هو السبب الذي ظلموا به أنفسهم. وقد قدمنا أن ( الاتخاذ ) مصدر اتخذ، وأن الظاهر أن أصله ( افتعال ) من ( الأخذ )، إلا أن الهمزة التي هي في محل فاء الكلمة أبدلت تاء وأدغمت في تاء الافتعال، وهذا يحفظ ولا يقاس عليه، كما عقده في الخلاصة بقوله :
ذو اللين فا تا في افتعال أبدلا*** وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا
و باتخاذكم مصدر من فعل يطلب مفعولين، والمصدر هنا مضاف إلى فاعله. والمفعول الأول العجل، والمفعول الثاني محذوف دائما في القرآن، وتقرير المعنى : باتخاذكم العجل إلها.
وقد قدمنا أن هذا المفعول الثاني في ( اتخاذهم العجل إلها ) محذوف في جميع القرآن، وأن بعض العلماء قال : النكتة في حذفه دائما هي التنبيه على أنه لا ينبغي أن يتلفظ بأن عجلا مصطنعا من حلي إله.
وقال جل وعلا : فتوبوا إلى بارئكم الفاء سببية، وقد تقرر في فن الأصول في مسلك ( الإيماء والتنبيه ) أن الفاء من حروف التعليل، وأن ما قبلها علة لما بعدها، كقولهم : " سها فسجد "، أي : لعلة سهوه، و " سرق فقطعت يده " أي : لعلة سرقته، ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا أي : لعلة ظلمكم. فتوبوا إلى بارئكم قد قدمنا معنى التوبة واشتقاقها في أول هذه السورة الكريمة.
وقوله : إلى بارئكم أي : خالقكم ومبرزكم من العدم إلى الوجود. وقد ذكر ( جل وعلا ) الخالق البارئ من صفاته كما قال في أخريات الحشر : الخالق البارئ [ الحشر : آية ٢٤ ] و ( الخالق ) اسم فاعل الخلق في اللغة : التقدير. و ( البارئ ) هو الذي يفري ما خلق ؛ فمعنى خلق : قدر، ومعنى برأ : أنفذ ما قدر، و أبرز من العدم إلى الوجود، والعرب تسمي التقدير خلقا، ومنه قول زهير بن أبي سلمى :
ولأنت تفري ما خلقت وبع*** ض القوم يخلق ثم لا يفري
وكثيرا ما يطلق اسم الخلق على الإبراز من العدم إلى الوجود. وعلى كل حال فمعنى ( البارئ ) : المبدع الذي يبرأ الأشياء، أي : يبرزها من العدم إلى الوجود.
وفي الآية سر لطيف، وهو أن من أبرز من العدم إلى الوجود هو الذي يستحق أن يعبد، ويتاب إليه من الذنوب ؛ لأن عنوان استحقاق العبادة إنما هو الخلق، فمن يخلق ويبرز من العدم إلى الوجود فهو المعبود الذي يعبد وحده، ويتنصل إليه من الذنوب، ومن لا يخلق فهو مربوب محتاج إلى خالق يخلقه ؛ ولذا كثر في القرآن الإشارة إلى أن ضابط من يستحق العبادة هو الخالق الذي يبرز من العدم إلى الوجود، كما تقدم في قوله : يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم [ البقرة : آية ٢١ ]، وكما في قوله : أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار [ الرعد : آية ١٦ ] وخالق كل شيء هو المعبود وحده. وقال جل وعلا : أفمن يخلق كمن لا يخلق [ النحل : آية ١٧ ]، الجواب : لا. وهذا معنى قوله : فتوبوا إلى بارئكم .
وقرأ هذا الحرف جمهور القراء : فتوبوا إلى بارئكم وعن أبي عمرو فيه روايتان عنه : قراءة : إلى بارئكم بإسكان الهمزة، وعنه قراءة أخرى رواها عنه الدوري باختلاس الهمزة، واختلاس الهمزة : هو تخفيف حركتها حتى يأتي ببعض الحركة ولا يأتي بها كاملة، وهذه الرواية الأخيرة رواية الدوري عن أبي عمرو هي التي بها الأخذ، والمشهورة عند القراء. وما زعمه بعض علماء العربية من أن الرواية الأخرى عن أبي عمرو بإسكان الهمزة في بارئكم أنها لحن، وأن حركة الإعراب لا يجوز تسكينها، فهو غلط، ولا شك أنها لغة صحيحة، وقراءة ثابتة عن أبي عمرو، وتخفيف الحركة بالإسكان لغة تميم وبني أسد، ويكثر في كلام العرب إسكان الحركة للتخفيف، ولا سيما إذا توالت ثلاث حركات، كما في قراءة الجمهور بارئكم بثلاث حركات. ومن تسكين الحركة للتخفيف قول امرئ القيس :
فاليوم أشرب غير مستحقب*** إثما من الله ولا واغل
وعلى هذا التخفيف قراءة أبى عمرو أرنا الذين [ فصلت : آية ٢٩ ]، وقراءة حفص : ويخش الله ويتقه [ النور : آية ٥٢ ] فإن هذا السكون إنما هو تخفيف ؛ لأن المحل ليس محل سكون ؛ لأن الأصل ( يتقيه ) و وأرنا مناسكنا [ البقرة : آية ١٢٨ي. ومنه قول الشاعر :
أرنا إداوة عبد الله نملؤها*** من ماء زمزم إن القوم قد ظمئوا
وقول الآخر :
ومن يتق فإن الله معه*** ورزق الله مؤتاب وغاد
وقول الراجز :
قالت سليمى اشتر لنا سويقا*** وهات خبز البر أو دقيقا
وقوله : فاقتلوا أنفسكم كأنهم قالوا : بم نتوب إلى بارئنا توبة يقبلها منا ؟ قيل لهم : فاقتلوا أنفسكم . أو الفاء للتعقيب ؛ لأن هذا القتل عقب الذنب هو الذي حصلت به التوبة.
وأصل القتل في لغة العرب : إزهاق الروح بشرط أن يكون من فعل فاعل، كالطعن، والضرب، والخنق، وما جرى مجرى ذلك، أما إزهاق الروح بلا سبب من ضرب أو نحوه فهو موت وهلاك لا قتل.
وقال بعض العلماء : القتل إماتة الحركة.
وقد تطلق العرب مادة القاف والتاء واللام على غير إزهاق الروح، فتطلقه على التذليل، فالتقتيل : التذليل، وتطلق القتل أيضا على إضعاف الشدة، فمن إطلاق التقتيل على التذليل قول امرىء القيس :
وما ذرفت عيناك إلا لتضربي*** بسهميك في أعشار قلب مقتل
أي : مذلل. وقول زهير :
كأن عيني في غربي مقتلة*** من النواضح تسقي جنة سحقا
أي : مذللة.
وكذلك يطلق القتل على كسر الشدة، ومنه قتل الخمر بالماء، أي : كسر شدتها بالماء، كما قال حسان ( رضي الله عنه ) :
إن التي ناولتني فرددتها*** قتلت قتلت فهاتها لم تقتل
يعني بقتلها : إضعاف شدتها بمزجها بالماء.
وقوله : فاقتلوا أنفسكم أنفسكم جمع قلة ؛ لأن ( الأفعل ) من صيغ جموع القلة. وما يزعمه بعض النحويين والمفسرين من أن مثل هذه الآية جيء فيه بجمع القلة موضع جمع الكثرة فهو خلاف التحقيق ؛ لأن أنفسكم أضيف إلى معرفة، واسم الجنس مفردا كان أو جمعا إذا أضيف إلى معرفة اكتسب العموم. والشيء الذي يعم جميع الأفراد لا يعقل أن يقال فيه : إنه جمع قلة ؛ لأن جمع القلة لا يتعدى العشرة، وهو بعمومه يشمل آلاف الأفراد، فالتحقيق ما حرره علماء الأصول في مبحث التخصيص من أن جموع القلة وجموع الكثرة لا يكون الفرق بينها ألبتة إلا في التنكير، أما في التعريف فإن الألف واللام تفيد العموم، والإضافة إلى المعارف تفيد العموم، وما صار عاما استحال أن يقال هو جمع قلة ؛ لأن العموم يستغرق جميع الأفراد. هذا هو التحقيق. وهذا معنى قوله : فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم .
ذلكم خير لكم عند بارئكم في مرجع الإشارة في قوله : ذلكم وجهان للعلماء لا يكذب أحدهما الآخر، أحدهما : أنه راجع إلى مصدر القتل المفهوم من قوله : فاقتلوا أي : ذلك القتل لأنفسكم خير لكم عند بارئكم، وقد قرر علماء العربية أن الفعل الصناعي – أعني فعل الأمر، أو الفعل المضارع، أو الماضي – ينحل عن مصدر وزمن، فالمصدر كامن في مفهومه إجماعا. قال في الخلاصة :
المصدر اسم ما سوى الزمان من*** مدلولي الفعل كأمن من أمن
ونحن نرى القرآن يلاحظ المصدر تارة، ويلاحظ الزمن تارة. فمن أمثلة ملاحظته للمصدر : على ألا تعدلوا اعدلوا هو [ المائدة : آية ٨ ] أي : العدل الكامن في مفهوم اعدلوا ، وتارة يلاحظ الزمن، ومن أمثلة ملاحظته لزمان الفعل الصناعي قوله ( جل وعلا ) في ( ق ) : ونفخ في الصور ذلك يوم الوعيد [ ق : آية ٢٠ ] فالإشارة في قوله : ذلك لزمن النفخ المفهوم من بناء الفعل في قوله : ونفخ في الصور .
وقال بعض العلماء : الإشارة في قوله : ذلكم راجعة إلى شيئين هما : التوبة المفهومة من قوله : فتوبوا إلى بارئكم ، والقتل المفهوم من قوله : فاقتلوا أنفسكم ، وعلى هذا القول فالمعنى : ذلكم المذكور من التوبة والقتل. ونظير هذا في القرآن – أي : بأن يكون لفظ الإشارة مفردا ومعناه مثنى – قوله ( جل وعلا ) في هذه السورة الكريمة : قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك [ البقرة : آية ٦٨ ] أي : ذلك المذكور من الفارض والبكر.
وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عبد الله بن الزبعرى :
إن للشر وللخير مدى*** وكلا ذلك وجه وقبل
أي : كلا ذلك المذكور. ولما قال رؤبة بن العجاج في رجزه المشهور :
فيها خطوط من سواد وبلق*** كأنه في الجلد توليع البهق
فقيل له : ما معنى قولك : " كأنه " بالتذكير، إن كنت تريد الخطوط لزم أن تقول :( كأنها )، وإن كنت تريد السواد والبلق لزم أن تقول :( كأنهما ) فلم قلت :( كأنه ) ؟ قال :( كأنه ) أي : ما ذكر من سواد وبلق.
وقوله : خير لكم الظاهر أنها هنا صيغة تفضيل، وقد تقرر في فن العربية أن لفظة ( خير وشر ) حذفت العرب منها الهمزة في صيغة التفضيل لكثرة الاستعمال في الأغلب، كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله :
وغالبا أغناهم خير وشر*** عن قولهم أخير منه وأشر
ووجه كونها هنا صيغة تفضيل : أن هذا القتل بهذه التوبة يقطع حياتهم الدنيوية، ولكنه يكسبهم حياة أخروية، وهذه الحياة الأخروية خير من الحياة الدنيوية، وهذا معنى قوله : ذلكم خير لكم عند بارئكم أي : ذلكم المذكور من توبتكم وقتلكم أنفسكم خير لكم عند بارئكم من عدمه، أي : عند خالقكم ومبرزكم من العدم إلى الوجود.
وقوله : فتاب عليكم معطوف على محذوف دل المقام عليه، أي : فامتثلتم ما أمرتم به، وقدمتم أنفسكم للقتل، فتاب عليكم.
واختلف العلماء في كيفية هذا القتل الذي أمروا به، قال بعض العلماء : كيفية هذا القتل الذي أمروا به أن من يعبد العجل منهم أمر بأن يقتل من عبد العجل، وقيل : أمروا أن يقتلوا بعضهم بعضا، من عبد العجل ومن لم يعبده، وعلى هذا القول فذنب من لم يعبد العجل أنه لم ينههم، ولم يغير المنكر ؛ لأن المنكر إذا وقع ولم يغير عم العذاب.
وأظهر القولين : أن البريء منهم أمر بقتل الذي عبد العجل. ذكر المفسرون في قصتهم أنهم لما كان الرجل ينظر إلى قريبه وأخيه لا
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير