ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ

قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ .
لا بُدّ في هذا الكلام من تأويل ؛ إذ الذّم إنما يتوجه عليهم إذا بدّلوا القول الذي قيل لهم، لا إذا بدَّلوا قولاً غيره.
فقيل : تقديره : فبدل الذين ظلموا بالذي قيل لهم قولاً غير الذي قيل لهم ف " بدّل " يتعدّى لمفعول واحد بنفسه، وإلى آخر بالباء، والمجرور بها هو المتروك، والمنصوب هو الموجود، كقول أبي النجم :[ الرجز ]

٥١٧- وَبُدِّلَتْ والدَّهْرُ ذُو تَبَدُّلِ هَيْفاً دَبُوراً بِالصَّبَا وَالشَّمْأَلِ
فالمتطوع عنها الصَّبا، والحاصل لها الهَيْفُ.
قاله أبو البقاء وقال يجوز أن يكون " بدل " محمولاً على المعنى، تقديره : فقال الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم ؛ لأن تبديل القول كان بقول " فَنَصْبُ " غير عنده في هذين القولين على النِّعت ل " قولاً ".
وقيل : تقديره : فبدل الذين قولاً بغير الذي، فحذف الحرف، فانتصب " غير ".
ومعنى التَّبْديل : التغيير كأنه قيل : فغيروا قولاً بغيره، أي جَاءُوا بقول آخر، فكان القول الذي أمروا به، كما يروا في القصّة أنهم قالوا : بدل حطّة حِنْطَة.
والإبْدَال والتبديل والاستبدال : جعل الشيء مكان آخر، وقد يقال : التبديل : التغيير، وإن لم يأت ببدله.
وقد تقدم الفرق بين بدل وأَبْدَلَ، وهو أن بدّل بمعنى غيّر من غَيْر إزالة العين، وأبدل تقتضي إزالة العين، إلا أنه قرئ : عَسَى رَبُّنَا أَن يُبْدِلَنَا
[ القلم : ٣٢ ] فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا [ الكهف : ٨١ ] بالوجهين، وهذا يقتضي اتِّحَادهما معنى لا اختلافهما والبديل والبدل بمعنى واحد، وبدله غيره.
ويقال : بِدْل وَبَدل كَشِبْه وَشَبَه، وَمِثْل وَمَثَل، وَنِكْل وَنَكَل [ قال أبو عُبَيْدة : لم يسمع في فِعْل وفَعَل غير هذه الأربعة أحرف ].

فصل في بيان التبديل


قال أبو مُسْلم : قوله :" فبدّل " يدلّ على أنهم لم يفعلوا ما أمروا به لأجل أنهم أتوا له ببدل، ويدلّ عليه أن تبديل القول قد يستعمل في المُخَالفة، قال تعالى :" سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ " إلى قوله : يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلاَمَ اللَّهِ
[ الفتح : ١٥ ] ولم يكن تبديلهم الخلاف في الفعل لا في القول، فكذا هاهنا لما أمروا بالتواضع، وسؤال المغفرة لم يمتثلوا أمر الله.
وقال جمهور المفسرين : إنَّ المراد بالتبديل أنهم أتوا ببدل له ؛ لأن التبديل مشتقّ من البدل، فلا بُدّ من حصول البدل، كما يقال : بدّل دِيْنَهُ أي : انتقل من دِيْنٍ إلى دين، ويؤيده قوله تعالى : قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ .

فصل في الباعث على تبديلهم


وقوله :" الَّذِيْنَ ظَلَمُوا " تنبيه على أن الباعث لهم على التبديل هو الظلم، واختلفوا هل هو مُطْلق الظلم، فيكونون كلهم بدلوا، أو الظالمون منهم هم الذين بدلوا، وهم الرؤساء والأشراف، وهذا هو الظاهر، لقوله في سورة " الأعراف " : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [ الأعراف : ١٦٢ ] واختلفوا هل التقوا كلهم على الأشياء التي بَدّلوها، أو بدّل كلّ أناس منهم شيئاً، أو بدّلوا في كل وقت شيئاً ؟
فإن قيل : إنّهم قد بدّلوا القول والفعل، فلم خصّ القول بالتبديل ؟
فالجواب : أن ذكر تبديلهم القول يدلّ على تبديل الفعل كقوله : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [ النحل : ٨١ ] أي : والبرد، فكأنه قال : بدّلوا القول والفعل، وأيضاً فقد يكون المراد بالقول المبدل هو الأمر، والأمر يشتمل القول المأمور به والفعل.
واختلفوا في ذلك القول :
فروي عن ابن عَبّاس : أنّهم لم يدخلوا الباب سجداً، ولم يقولوا حطّة، بل دخلوا زَاحِفِيْنَ على اسْتَاههم قائلين حِنْطة.
وقال ابن زيد : استهزؤوا بموسى وقالوا ما شاء موسى أن يلعب بنا لا لعب بنا حطة أي شيء حطة.
وقال " مجاهد " : طؤطئ لهم الباب ليخفضوا رؤوسهم، ويركعوا، فدخلوا زَاحِفِيْنَ.
وقيل لهم : قولوا حطة فقالوا : حطّاً شمقاً ما يعني حطة حمراء استخفافاً بأمر الله.
قوله : فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ أي : أضروا بأنفسهم، وأوسعوا في نقصان خيراتهم في الدين والدنيا.
و " الرجز " : هو العذاب.

فصل في لغات الرجز


وفيه لُغة أخرى وهي ضمّ الراء، وقرئ بهما.
وقيل : المضموم اسم صَنَمٍ، ومنه : وَالرُّجْزَ [ المدثر : ٥ ]. والرِّجْز والرِّجْس بالزاي والسين بِمَعْنًى ك : السُّدْغ والزُّدْغ.
والصحيح أن الرِّجْزَ : الْقَذَر، والرَّجَز : ما يصيب الإبل، فترتعش منه، ومنه : بحر الرِّجَز في الشّعر.
قوله :" مِنَ السَّمَاءِ " يجوز فيه وجهان :
أحدهما : أن يكون متعلقاً ب " أَنْزَلْنَا " و " من " لابتداء الغاية، أي : من جهة السماء، وهذا الوجه هو الظاهر.
والثاني : أن يكون صفة ل " رِجْزاً " فيتعلّق بمحذوف، و " من " أيضاً للابتداء.
وقوله : عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ فأعادهم بذكرهم أولاً، ولم يقل :" عليهم " تنبيهاً على أن ظُلْمهم سبب في عقابهم، وهو من إيقاع الظاهر موقع المُضْمَر لهذا الغرض، وإيقاع الظاهر موقع المُضْمَر على ضربين : ضرب يقع بعد تمام الكلام كهذه الآية، وقول الخنساء :[ المتقارب ]
٥١٨- تَعَرَّقَنِي الدَّهْرُ [ نَهْساً ] وَحَزَّا [ وَأَوْجَعَنِي ] الدَّهْرُ قَرْعاً وَغَمْزا
أي : أصابتني نوائبه جُمَعُ.
وضرب يقع في كلام واحد ؛ نحو قوله : الْحَاقَّةُ مَا الْحَاقَّةُ
[ الحاقة : ١، ٢ ].
وقول الآخر :[ الكامل ]
٥١٩ - لَيْتَ الغُرَابَ غَدَاةَ يَنْعَبُ دَائِباً كَانَ الغُرَابُ مُقَطَّعَ الأَوْدَاجِ
وقد جمع عدي بن زيد المعنيين فقال :[ الخفيف ]
٥٢٠- لاَ أَرَى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْءٌ نَغَّصَ المَوْتُ ذَا الغِنَى والفَقِيرَا
قوله :" بِمَا كَانُوا " متعلِّق ب " أنْزَلْنَا " و " الباء " للسببية، و " ما " يجوز أن تكون مصدرية وهو الظّاهر أي : بسبب فِسْقِهِمْ، وأن تكون موصولة اسمية، والعائد محذوف على التدريج المذكور في غير موضع، والأصل : يفسقونه، ولا يقوى جعلها نكرة موصولة.
وقرأ " ابن وَثّاب٣ " :" يَفْسِقُون " بكسر السين، وتقدم أنهما لُغَتَان.

فصل في تفسير الظلم


قال أبو مسلم : هذا الفِسْقُ هو الظلم المذكور في قوله : عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ وفائدة التكرار التأكيد.
قال ابن الخطيب : والحق أنه غيره ؛ لأن الظلم قد يكون من الصَّغائر، ولذلك قال بعض الأنبياء : رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا [ الأعراف : ٢٣ ] وقد يكون من الكَبَائر، قال تعالى : إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [ لقمان : ١٣ ]، والفِسْق لا بُدّ وأن يكون من الكبائر، ويمكن أن يجاب عنه : بأن أبا مُسْلِمٍ لم يقل بأن الفسق مطلق الظلم، وإنما خصّه بظلم معين، وهو الذي وصفوا به في أوّل الآية، ويحتمل أنهم استحقُّوا اسم الظلم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرِّجْزُ عليهم بالفِسْقِ الذي كانوا يفعلوه قبل التبديل، فيزول التكرار.
احتجّ بعضهم بقوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ على أنَّ ما ورد من الأذكار لا يجوز تبديله بغيره، وعلى هذا لا يجوز تحريم الصَّلاة بلفظ التَّعْظيم، ولا يجوز القراءة بالفارسية.
وأجاب أبو بكر الرَّازِي :" بأنهم إنما استحقُّوا الذَّم لتبديلهم القول إلى قول يُضَاد معناه معنى الأول، فلهذا استوجبوا الذم، فأما تغيير اللفظ مع بقاء المعنى فليس كذلك ".
قال ابن الخطيب :" والظَّاهر أن هذا بتناول كل من بدّل قولاً يقول آخر سواء اتَّفَقَا أو لم يتفقا ".
فإن قيل : قال هنا :" وإذ قلنا "، وفي " الأعراف " : وَإِذْ قِيلَ [ الأعراف : ١٦١ ].
قيل : لأن سورة " الأعراف " مكية، و " البقرة " مدنية فأبهم القائل في الأولى وهي " الأعراف " ليكون لهم وَقْع في القلب، ثم بَيَّنَهُ في هذه السورة المدنية، كأنه قال : ذلك القائل هناك هو هذا.
وقال هنا :" ادْخُلُوا "، وفي " الأعراف " :" اسْكُنُوا ".
قال ابن الخطيب :" لأنّ الدخول مقدّم على السُّكْنَى ".
وهذا يرد عليه، فإن " الأعراف " قبل " البقرة " ؛ لأنها مكية.
وقال [ هنا ] " فَكُلُوا " بالفاء، وفي " الأعراف " " وَكُلُوا " بالواو.
والجواب ها هنا هو الذي ذكرناه في قوله تعالى في سورة البقرة : وَكُلاَ مِنْهَا رَغَداً ، وفي " الأعراف " فَكُلاَ . [ ولم ذكر قوله :" رغداً " في " البقرة "، وحذفه في " الأعراف " ؟ لأنه لما أسند الفعل إلى نفسه لا جرم ذكر معه الإنْعَام الأعظم وهو أن يأكلوا رغداً ]، وفي " الأعراف " لما لم يسند الفعل إلى نفسه [ لا جرم ] لم يذكر الإنعام الأعظم.
وقال هنا : وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ ، وفي " الأعراف " قدّم المؤخر ؛ لأن الواو للجمع المطلق، وأيضاً يحتمل أن يكون بعضهم مذنباً، وبعضهم ليس بمذنب، فالمُذْنب يكون اشتغاله أولاً بالتوبة، ثم بالعبادة فكلفوا أن يقولوا أولاً " حطة " ثم يدخلوا الباب سُجَّداً، وأما الذي ليس بمذنب، فالأولى به أن يشتغل بالعبادة أولاً، ثم [ يذكروا ] التوبة ثانياً على سبيل هَضْم النفس، وإزالة العجب في فعل تلك العبادة فكلفوا أن يدخلوا الباب سجداً أولاً، ثم يقولوا " حطة "، فذكر حكم كل قسم في سورة قاله ابن الخطيب.
وفيه نظر ؛ لأن هذا القول إنما كان مَرّة واحدة.
وقال هنا : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ بالواو، وفي " الأعراف " بغير واو.
وقال ابن الخطيب : لأنه ذكر في " الأعراف " أمرين : قول الحطة، وهو إشارة إلى التوبة، ودخول الباب سجداً، وهو إشارة إلى العبادة، ثم ذكر جزاءين : قوله تعالى : نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ ، وهو واقع في مقابلة قول الحطّة، وقوله : وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ، وهو واقع في مُقَابلة دخول الباب سجداً، [ فترك ] الواو يفيد توزيع كل واحد مِنَ الجَزَاءين على كل واحد من الشرطين.
وأما في " البقرة " فيفيد كون مجموع المغفرة والزيادة جزاءً واحداً لمجموع الفعلين.
وقال هنا : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً ، وفي " الأعراف " زاد كلمة " منهم ".
قال ابن الخطيب : لأنه تعالى قال : وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ ، فذكر أن منهم من يفعل ذلك، ثم عدّد صنوف إنعامه عليهم، وأوامره لهم فلما انتهت القصّة قال : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ [ فذكر لفظة " مِنْهُمْ " في آخر القصّة كما ذكرها في أول القصة ] ليكون آخر الكلام مطابقاً لأوله، وأما هنا فلم يذكر في الآيات التي قبل قوله : فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ تمييزاً وتخصيصاً حتى يلزم في آخر القصة ذكر ذلك التخصيص.
وقال هنا : فَأَنزَلْنَا وفي [ سورة ] " الأعراف " : فَأَرْسَلْنَا ، وأتى بالمضمر دون الظاهر ؛ لأنه تعالى عدّد عليهم في هذه السُّورة نعماً جسيمة كثيرة، فكان توجيه الذّم عليهم، وتوبيخهم بكفرانها أَبْلَغ من حيث إنه لم يعدّد عليهم هناك ما عَدّد هنا.
فلفظ " الإنزال " للعذاب أبلغ من لفظ " الإرسال ".
وقال هنا : يَفْسُقُونَ ، وفي " الأعراف " :{ يَظْلِ

اللباب في علوم الكتاب

عرض الكتاب
المؤلف

أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني

تحقيق

عادل أحمد عبد الموجود

الناشر دار الكتب العلمية - بيروت / لبنان
سنة النشر 1419 - 1998
الطبعة الأولى، 1419 ه -1998م
عدد الأجزاء 20
التصنيف التفسير
اللغة العربية