ثم قال جل وعلا : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم [ البقرة : الآية ٥٩ ] وفي الكلام حذف الواو وما عطفت، وحذف المتعلق. وتقرير المعنى : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا فعلا غير الذي قيل لهم بفعل غيره. والقول الذي قيل لهم هو ( حطة ) فبدلوه بقول غيره، وقالوا :( حبة في شعرة ). وقال بعض العلماء : قالوا :( حنطة في شعيرة ) وثبت في الصحيح أن القول الذي بدلوه :( حبة في شعرة ). وفي بعض روايات الحديث ( حنطة في شعيرة ). وعلى كل حال فقد بدلوا هذا القول الذي قيل لهم بغيره، كما بدلوا الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره ؛ لأن الفعل الذي أمروا به هو دخولهم الباب سجدا، فبدلوه بفعل غيره، فدخلوا يزحفون على استاههم، وهذا من كفرهم، عياذا بالله.
وما قاله بعض العلماء : من أن هذه الآية الكريمة يؤخذ منها عدم نقل الحديث بالمعنى ؛ لأن الله ذم من بدل قولا بقول غيره، فيلزم أن يكون القول هو نفس ما أمر به، لا قولا غيره، غير صواب. ويجاب عنه : بأن القول المأمور به له حالتان : إما أن يكون متعبدا بلفظه ك ( الله أكبر ) في الصلاة، وما جرى مجرى ذلك من العبادات القولية، فمثل هذا لا يجوز تبديله، ومن بدله يلحقه من الوعيد ما لحقهم بقدر ما ارتكب في قوله : فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم ولا يجوز تبديله. أما الذي لم يتعبد به بلفظه فلا مانع من أن يبدل بلفظ يؤدي معناه إذا لم يكن هناك تفاوت في المعنى.
وجماهير العلماء من المسلمين قديما وحديثا على جواز نقل الحديث بالمعنى إذا كان ناقله بالمعنى عارفا باللسان، متبحرا فيه، لا تخفى عليه النكت والتفاوت الذي يكون بين الألفاظ، ونقله بحالة ليست أخفى من نص الحديث، ولا أظهر من نص الحديث، فلا يجوز نقله بلفظ أظهر منه. قال بعض العلماء : لأنه قد يعارضه حديث آخر، والظهور من المرجحات بين النصوص المتعارضة، فيظن المجتهد أن لفظ الراوي الظاهر الذي بدله بلفظ هو أقل منه ظهورا أنه من لفظ النبي صلى الله عليه وسلم، فيرجحه بهذا الظهور على حديث آخر، فيكون استناد هذا الترجيح مستندا لتصرف الراوي، وهذا مما لا ينبغي. وعلى كل حال فمسألة نقل الحديث بالمعنى مسألة معروفة في الأصول، وفي علوم الحديث، منعها قوم واستدلوا بالحديث : أن النبي صلى الله عليه وسلم لما سمع الرجل قال : " آمنت بكتابك الذي أنزلت ورسولك الذي أرسلت ". رد عليه وقال : " ونبيك الذي أرسلت ". ولا شك أن اللفظ الذي قاله النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم مقامه اللفظ الذي تصرف فيه الراوي ؛ لأن " ونبيك الذي أرسلت " واضح بليغ لا تكرير فيه ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد يكون مرسلا وغير مرسل، والرسول مرسل قطعا، فيكون " رسولك الذي أرسلت " تكرار – يعني – لأن " الذي أرسلت " معناه يؤديه " رسولك " أما " نبيك الذي أرسلت " فيكون كل من الكلمتين عمدة وتأسيسا لا لغوا، والحاصل أنه معروف أن الجمهور من العلماء على جواز نقل الحديث بالمعنى إذ وثق الراوي أنه لم يزد في معناه ولم ينقص، وأن قوما منعوا ذلك، وأن الآية لا دليل فيها لذلك ألبتة ؛ لأنهم إنما بدلوا قولا منافيا للقول الذي قيل لهم في المعنى، والتبديل إذا كان منافيا في المعنى ممنوع بإجماع المسلمين، وليس مما فيه الخلاف، إنما الخلاف في تبديل الألفاظ مع بقاء المعنى، وهم بدلوا اللفظ بلفظ لا يؤدي معناه، أمروا بأن يقولوا ( حطة )، فقالوا :( حبة في شعرة )، أو ( حنطة في شعيرة ) ! ! فالقول الذي بدلوا به ليس معناه يؤدي معنى القول الذي أمروا به، فكأنهم رفضوه بتاتا، وعصوا الله، وجاؤوا بما لم يؤمروا به، لا لفظا ولا معنى. والفعل الذي بدلوا به : أنهم أمروا بالسجود فدخلوا يزحفون على استاههم.
وقوله : فأنزلنا على الذين ظلموا الفاء سببية، وصيغة الجمع للتعظيم، أي : فبسبب تبديلهم القول الذي قيل لهم بقول غيره، والفعل الذي قيل لهم بفعل غيره أنزلنا عليهم، وإنما أظهر في محل الإضمار قال : فأنزلنا على الذين ظلموا ولم يقل :( فأنزلنا عليهم ) ليسجل عليهم موجب هذا العذاب ؛ وأنه الظلم ؛ ولذا عدل عن الضمير إلى الظاهر قال : فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون ليبين أن هذا الرجز منزل عليهم بسبب ظلمهم، والضمير لا يعطي هذا، وإن كان معناه يؤدي المعنى في الجملةوهذا معنى قوله : فأنزلنا على الذين ظلموا أي : أنفسهم بتبديل القول بقول غيره، والفعل بفعل غيره.
رجزا من السماء الرجز : العذاب، وهذا العذاب طاعون أنزله الله عليهم. قال العلماء : أهلك الله به منهم سبعين ألفا.
وقوله : بما كانوا يفسقون ( الباء ) سببية، و ( ما ) مصدرية، أي : بسبب كونهم فاسقين. والفسق في لغة العرب الخروج، ومنه قوله جل وعلا : إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أي : فخرج عن طاعة ربه، والعرب تقول :( فسقت الرطبة من قشرتها ) إذا خرجت، و ( فسقت الفأرة ). إذا خرجت من جحرها للإفساد. وكون الفسق يطلق على الخروج معروف في كلام العرب، ومنه قول رؤبة بن العجاج :
يهوين في نجد وغورا غائرا*** فواسقا عن قصدها جوائر
فقوله : " فواسقا عن قصدها " أي : خوارج عن طريق القصد إلى طريق آخر. وقال بعض العلماء : إنما كرر لفظ ( الظلم ) في قوله : فبدل الذين ظلموا فأنزلنا على الذين ظلموا لأن هذا الفعل الذي هو ظلمهم ذكره له أهمية في السياق ؛ لأنهم ظلموا في الوقت الذي أنعم الله عليهم، وعصوا أمر ربهم، ومن عادة العرب إذا كان الأمر له أهمية أن تكرره، سواء كانت أهميته من جهة خير، أو أهميته من جهة شر، كما قال الشاعر :
ليت الغراب غداة بنعب دائما*** كان الغراب مقطع الأوداج
لأن الغراب لما نعب بين أحبته صار الغراب له أهمية عنده فكرر لفظه، ومنه قول الآخر :
لا أرى الموت يسبق الموت شيء*** نغص الموت ذا الغنى والفقيرا
لما كان الموت له أهمية في قطعه الحياة كرره، ونظائر هذا كثيرة في كلام العرب، وعلماء البلاغة يقولون إن إعادة قوله : ظلموا في قوله : فأنزلنا على الذين ظلموا ليسجل عليهم الذنب الذي بسببه أنزل عليهم العذاب كما قدمناه، والله ( تعالى ) أعلم.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير