ﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘ ﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠ ﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰﯱﯲﯳﯴﯵ ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥ ﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙ

الله صحبة أوليائه، هؤلاء بنو إسرائيل صبروا على مقاساة الضرّ من فرعون وقومه، فجعل منهم أنبياء، وجعل منهم ملوكا، وآتاهم ما لم يؤت أحدا من العالمين «١».
تتمة النّعم العشر على بني إسرائيل
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٥٥ الى ٦٠]
وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦) وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ وَأَنْزَلْنا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوى كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ ما رَزَقْناكُمْ وَما ظَلَمُونا وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)
وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُناسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)
الإعراب:
جَهْرَةً منصوب على المصدر في موضع حال من ضمير قُلْتُمْ وتقديره: قلتم ذلك مجاهرين، وهذا هو الأوجه. وقيل: صفة محذوف تقديره: أرنا الله رؤية جهرة.

(١) البحر المحيط: ١/ ١٩٤

صفحة رقم 164

سُجَّداً جمع ساجد، منصوب على الحال من ضمير ادْخُلُوا. حِطَّةٌ خبر مبتدأ محذوف تقديره: مسألتنا حطة، أي حطّ عنا ذنوبنا. ومن نصب حِطَّةٌ أعمل الفعل.
فَانْفَجَرَتْ معطوف على فعل مقدر، تقديره: فضرب فانفجرت، لأن الانفجار إنما يحصل عن الضرب، لا عن الأمر بإيجاده، مثل: فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة ٢/ ١٨٥] أي فأفطر فعدة. ومثل: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة ٢/ ١٧٣] أي فأكل فلا إثم عليه.
مُفْسِدِينَ حال مؤكدة لعاملها: تَعْثَوْا.
البلاغة:
مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لزيادة التأكيد على أنه موت حقيقي.
كُلُوا إيجاز بالحذف، أي قلنا لهم: كلوا.
وَما ظَلَمُونا إيجاز بالحذف أيضا تقديره: فظلموا أنفسهم بأن كفروا. والجمع بين ظَلَمُونا ويَظْلِمُونَ الماضي والمضارع للدلالة على تماديهم في الظلم.
فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ولم يقل: فأنزلنا عليهم، لزيادة التقبيح والمبالغة في الذم والتقريع، بوضع الظاهر موضع الضمير. رِجْزاً نكّره للتهويل والتفخيم.
مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تعظيم للنعمة والمنة، وإيماء إلى أنه رزق حاصل من غير تعب ولا مشقة.
المفردات اللغوية:
جَهْرَةً عيانا واضحا بالبصر. الصَّاعِقَةُ الصيحة بالعذاب، أو نار من السماء.
وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ما حلّ بكم.
ثُمَّ بَعَثْناكُمْ أحييناكم. تَشْكُرُونَ نعمتنا بذلك.
وَظَلَّلْنا عَلَيْكُمُ الْغَمامَ سترناكم بالسحاب الرقيق من حرّ الشمس في التيه. الْمَنَّ شيء حلو لزج كالعسل. السَّلْوى الطائر المعروف بالسّماني ويسمى في بلاد الشام بالفري، وكلّ من السّماني والسلوى جمع لا واحد له من لفظه.
هذِهِ الْقَرْيَةَ بيت المقدس أو أريحا. رَغَداً أكلا واسعا هنيئا لا عناء فيه ولا حجر

صفحة رقم 165

عليه. الْبابَ بابها. سُجَّداً منحنين متواضعين متذللين لله. حِطَّةٌ أي سؤالنا أن تحطّ عنا ذنوبنا أو خطايانا، والمراد: اسألوا الله المغفرة.
رِجْزاً عذابا من السماء، ومن المعلوم أن العذاب نوعان: نوع يمكن دفعه: وهو عذاب المخلوقات كالهدم والغرق، ونوع لا يمكن دفعه: كالطاعون والصاعقة والموت، والمراد به هذا النوع الثاني.
الْحَجَرَ أي حجر، كان إذا ضربه تفجر منه الماء بقدرة الله. فَانْفَجَرَتْ انشقت وسالت. أُناسٍ جماعة منهم، وكانوا اثني عشر سبطا. مَشْرَبَهُمْ موضع شربهم، فلا يشاركهم فيه غيرهم. وَلا تَعْثَوْا من عثي: أفسد، أي لا تفسدوا إفسادا شديدا، والعثو أو العثيّ: أشد الفساد، وتكرر المعنى تأكيدا، لاختلاف اللفظ.
التفسير والبيان:
اذكروا يا بني إسرائيل قول السبعين من أسلافكم الذين اختارهم موسى عليه السلام حين ذهبوا معه إلى الطّور، للاعتذار عن عبادة العجل: لن نصدق بالله وبكتابه، علما بأنك سمعت كلامه، حتى نرى الله عيانا بالعين المجردة بلا حاجز، فأخذهم الله بعذابه وهو إرسال نار من السماء وهي الصاعقة فأحرقتهم وماتوا، ومكثوا يوما وليلة، والحي ينظر إلى الميت.
وهكذا كان حال بني إسرائيل مع موسى، يتمرّدون ويعاندون، فيعذبهم الله في الأرض، بالأوبئة والأمراض وتسليط هوامّ الأرض وحشراتها، حتى فتكت بالعدد الكثير منهم، ثم ينعم الله عليهم، وها هي بقية النّعم العشر التي يذكّرهم تعالى بها:
٦- ثم أحييناهم بعد الموت الحقيقي، ليستوفوا آجالهم المقدرة لهم، فقاموا وعاشوا ينظرون إلى بعضهم «١»، وذلك كله لتشكروا الله أيها اليهود المعاصرون على

(١) ورأى الشيخ محمد عبده أن المراد بالبعث هو كثرة النسل، أي إنه بعد ما وقع فيهم الموت بالصاعقة وغيرها، بارك الله في نسلهم ليعدّ الشعب بالبلاء السابق للقيام بحقّ الشكر على النعم التي تمتع بها الآباء الذين حلّ بهم العذاب بكفرهم لها (تفسير المنار: ١/ ٣٢٢).

صفحة رقم 166

إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت، وتعتقدوا أن الله قادر على كل شيء. والشكر المطلوب: هو الإيمان بالله وكتبه وبمحمد صلّى الله عليه وسلّم.
وقال بعض المفسّرين في تفسير بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ: علمناكم من بعد جهلكم. قال القرطبي: والأول أصح، لأن الأصل في الكلام الحقيقة، وكان موت عقوبة، ومنه قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيارِهِمْ، وَهُمْ أُلُوفٌ، حَذَرَ الْمَوْتِ، فَقالَ لَهُمُ اللَّهُ: مُوتُوا ثُمَّ أَحْياهُمْ [البقرة ٢/ ٢٤٣] «١».
٧- ثم سترناكم بالسحاب الأبيض الرقيق من حرّ الشمس، أثناء وجودكم في وادي التّيه بين الشام ومصر مدة أربعين سنة، حيارى تائهين، بعد أن خرج آباؤكم من مصر، وجاوزوا البحر.
٨- ثم أنعمنا عليكم بأنواع من الطعام والشراب كالمنّ الذي هو مثل العسل فيمزجونه بالماء ثم يشربونه، والسلوى الذي هو طير يشبه السّماني لذيذ الطعم، وكان المنّ ينزل عليهم نزول الضباب من طلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وتأتيهم السّماني، فيأخذ كل واحد ما يكفيه إلى الغد.
وقلنا لكم: كلوا من ذلك الرزق الطيب، واشكروا الله، فلم يفعلوا، وكفروا تلك النعم الجزيلة، ولم يضروا إلا أنفسهم، حيث قطع الله عنهم هذه النعم، وجازاهم على مخالفتهم، فكان. وبال العصيان عائدا عليهم.
٩- واذكروا أيضا نعمتي عليكم حين قلنا لكم بعد خروجكم من التّيه: ادخلوا القرية، قال الجمهور: هي بيت المقدس، وقيل: أريحاء من بيت المقدس، واسكنوا فيها، وكلوا واشربوا منها أكلا واسعا هنيئا لا حرج فيه، وادخلوا باب القرية ساجدين لله خاضعين مبتهلين إلى الله وحده، شكرا لله تعالى على خلاصكم

(١) تفسير القرطبي: ١/ ٤٠٥

صفحة رقم 167

من التّيه، وقولوا: يا ربّنا، حطّ عنا ذنوبنا واغفر لنا خطايانا، وسنزيد المحسنين ثوابا من فضلنا وأجرا جزيلا. والمحسن: من صحح أساس توحيده، وأحسن سياسة نفسه، وأقبل على أداء فرائضه، وكفى المسلمين شرّه.
فخالف الظالمون الأمر ولم يتبعوه، معبرا عن المخالفة بالتبديل، إشارة إلى أن المخالف كأنه أنكر الأمر وادعى أنه أمر بغيره، ودخلوا زاحفين على أستاههم، أي أدبارهم، غير خاضعين لله، فكان جزاؤهم إنزال العذاب الشديد من السماء وهو الرجز، وهو في رأي جماعة من المفسّرين، الطاعون، بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله، قيل: هلك منهم سبعون ألفا بالطاعون.
١٠- واذكروا يا بني إسرائيل نعمة أخرى حين عطش آباؤكم من شدّة الحرّ في التّيه، وطلبوا من موسى عليه السّلام السقيا، فأمره الله أن يضرب بعصاه أي حجر، فضرب فانفجرت منه المياه المتدفقة بقوة، وخرجت منه اثنتا عشرة عينا، لكل جماعة منهم عين يشربون منها حتى لا تقع بينهم الشحناء، وكانوا اثني عشر سبطا، وهم ذرية أبناء يعقوب الاثني عشر، وقال الله لهم: كلوا من المنّ والسلوى، واشربوا من هذا الماء، من غير تعب، ولا تفسدوا في الأرض بأن تنشروا الفساد في الأرض، وتكونوا قدوة لغيركم فيه، أو لا تتمادوا في الفساد في حالة إفسادكم.
وكان تفجير الماء بعصا موسى معجزة ظاهرة له، وهي لا تكون لغير نبي، والمراد بالحجر الجنس، أي اضرب الشيء الذي يقال له الحجر، قال الحسن البصري: لم يأمره أن يضرب حجرا بعينه، وهذا أظهر في الحجة، وأبين في القدرة.
فقه الحياة أو الأحكام:
إن مخاطبة بني إسرائيل المعاصرين لنزول القرآن وتذكيرهم بالنّعم التي أنعم

صفحة رقم 168

الله بها على أصولهم، دليل واضح على وحدة الأمة، وتكافل أفرادها، وأن السعادة والشقاوة تعم الجميع من أصول وفروع، وإن لم يسأل الفرع عما فعل أصله، لكنه يتضرر بسوء أصله، وينتفع باستقامة أصله، كما قال تعالى في تعميم العذاب: وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [الأنفال ٨/ ٢٥]، وقال سبحانه في كنز الغلامين اليتيمين تحت الجدار: وَكانَ أَبُوهُما صالِحاً [الكهف ١٨/ ٨٢]، فكان صلاح الأب أو الجدّ سببا في صلاح الابن أو الحفيد نفسه، وفي حفظ المال لذريته، أي أن الصلاح يفيد في النفس والمال.
وفي قوله تعالى: وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ [البقرة ٢/ ٥٧]، إيماء إلى أن كل ما يأمر به الله من عبادة فإنما نفعه لهم، وما ينهاهم عنه، فإنما ذلك لدفع ضرّ يقع بهم، وهو بمعنى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ [يونس ١٠/ ٢٣]، وقوله: لَها ما كَسَبَتْ وَعَلَيْها مَا اكْتَسَبَتْ [البقرة ٢/ ٢٨٦].
أما تفجير الماء من الحجر فكان معجزة لموسى عليه السّلام، والمعجزات كلها من صنع الله، وهي سنة جديدة غير ما نشاهد من العادات كل يوم، أما المخترعات العلمية فهي مبنية على السّنن العلمية باستخدام طاقات الكون من الأثير والهواء والنفط والكهرباء وغير ذلك. وكان الله قادرا على تفجير الماء وفلق البحر بلا ضرب عصا، ولكنه جلّت قدرته أراد أن يعلم عباده ربط المسببات بأسبابها، ليسعوا في الحصول على تلك الأسباب بقدر الطاقة. ومثل ذلك أيضا معجزات عيسى عليه السّلام، كان الله قديرا على أن يخلق الطير من الطين ومن غير الطين، ولم يكن هناك داع لنفخ الملك في مريم، لأن طريق القدرة كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٣/ ٤٧]، ولكن شاء الله أن تظهر قدرته بطريق التدرّج، ليتبين الفرق بين الطين والطير بالحياة، وكان خلق عيسى عليه السّلام من نطفة الأم فقط، ونفخ الروح كان بإذن الله وقدرته: كُنْ فَيَكُونُ [آل عمران ٣/ ٤٧] وكل ذلك تقريب لفهم المعجزة.

صفحة رقم 169

وكان إمداد اليهود بالنّعم من أجل شدهم إلى منهج الاستقامة، وتخليصهم بالتوبة من الخطايا التي كانوا يرتكبونها، وذلك كله على سبيل العظة والعبرة.
وكان إبقاء اليهود في التّيه أربعين سنة من أجل خروج جيل جديد يتربى على العقائد الحقة وفضائل الأخلاق، وانقراض ذلك الجيل الذي تأصلت فيه جذور الوثنية وعبادة العجل.
وحينما أمر الله اليهود بالدخول في باب القرية سجّدا قائلين: حطّة، بدلوا ودخلوا الباب، يزحفون على أستاههم، وقالوا: حبّة في شعرة، وكان قصدهم خلاف ما أمرهم الله به، فعصوا وتمردوا واستهزءوا، فعاقبهم الله بالرجز وهو العذاب. وفي هذا دليل على أن تبديل الأقوال المنصوص عليها في الشريعة لا يجوز إن كان التّعبد بلفظها، لذمّ الله تعالى من بدّل ما أمر به بقوله. أما إن كان التّعبد بمعناها فيجوز تبديلها بما يؤدّي ذلك المعنى، ولا يجوز تبديلها بما يخرج عنه. وبناء عليه أجاز جمهور العلماء للعالم بمواقع الخطاب البصير بآحاد كلماته رواية الحديث النّبوي بالمعنى، لكن بشرط المطابقة للمعنى بكماله. واتّفق العلماء على جواز نقل الشرع للأعاجم غير العرب بلسانهم وترجمته لهم، وذلك هو النقل بالمعنى. وقد فعل الله ذلك في كتابه فيما قصّ من أنباء ما قد سلف، فقصّ قصصا ذكر بعضها في مواضع بألفاظ مختلفة والمعنى واحد، ونقلها من ألسنتهم إلى اللسان العربي، وهو مخالف لها في التقديم والتأخير، والحذف والإلغاء، والزيادة والنقصان. وإذا جاز إبدال العربية بالعجمية، فلأن يجوز بالعربية أولى. وأما
حديث «نضّر الله وجه امرئ سمع مقالتي، فبلّغها كما سمعها»
فالمراد حكمها، لا لفظها، لأن اللفظ غير معتدّ به «١».
وأما تعذيب بني إسرائيل بإنزال الرجز (أي العذاب) من السماء، فكان

(١) تفسير القرطبي: ١/ ٤١١- ٤١٣

صفحة رقم 170

بسبب فسقهم كما قال تعالى: بِما كانُوا يَفْسُقُونَ، وفي سورة الأعراف: بِما كانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)، والفسق في الشرع: عبارة عن الخروج من طاعة الله إلى معصيته. وهذا الفسق هو الظلم المذكور في قوله تعالى: عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا وفائدة التكرار: التأكيد، والحق كما قال الرازي «١» : أنه غير مكرر لوجهين: الأول: أن الظلم قد يكون من الصغائر، وقد يكون من الكبائر.
الثاني: يحتمل أنهم استحقوا اسم الظالم بسبب ذلك التبديل، فنزل الرجز عليهم من السماء، بسبب ذلك التبديل، بل للفسق الذي كانوا فعلوه قبل ذلك التبديل، وعلى هذا الوجه يزول التكرار.
وأفادت آية وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ تقرير سنة الاستسقاء، بإظهار العبودية والفقر والمسكنة والذّلة مع التوبة النصوح. وقد أقرت شريعتنا سنة الاستسقاء بالخروج إلى المصلى والخطبة والصلاة في رأي جمهور العلماء، لأن نبينا محمدا صلّى الله عليه وسلّم استسقى، فخرج إلى المصلّى متواضعا متذلّلا مترسلا متضرعا. وذهب أبو حنيفة إلى أنه ليس من سنّة الاستسقاء صلاة ولا خروج، وإنما هو دعاء لا غير، واحتج بحديث أنس في صحيحي البخاري ومسلم. قال القرطبي:
ولا حجة له فيه، فإن ذلك كان دعاء عجّلت إجابته، فاكتفى به عما سواه، ولم يقصد بذلك بيان سنته، ولما قصد البيان بيّن بفعله، حسبما
رواه مسلم عن عبد الله بن زيد المازني، قال: «خرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلى المصلى، فاستسقى، وحوّل رداءه، ثم صلّى ركعتين» «٢».
ودلّ قوله تعالى: كُلُوا وَاشْرَبُوا، ووَ لا تَعْثَوْا، على إباحة النّعم وتعدادها، والنهي عن المعاصي والإنذار بعقوبتها وأضرارها.

(١) تفسير الرازي: ٣/ ٩١- ٩٢
(٢) تفسير القرطبي: ١/ ٤١٨

صفحة رقم 171

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية