وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور خذوا ما آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون { ٦٣ ثم توليتم من بعد ذلك فلولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين ٦٤ }.
تفسير المفردات
الطور : هو الجبل المعروف الذي ناجى فيه الله موسى عليه السلام، ورفعه قد فسره في سورة الأعراف فقال : وإذ نتقنا الجبل فوقهم كأنه ظلة وظنوا أنه واقع بهم والنتق : الهز والزعزعة والجذب، فالنتق : في الجبل كان بما يشبه الزلزال فيه، والخسران : ذهاب رأس المال أو نقصه.
المعنى الجملي
ذكر سبحانه في هاتين الآيتين جناية أخرى حدثت من أسلاف المخاطبين وقت التنزيل، ذاك أنه بعد أن أخذ الله عليهم المواثيق التي ذكرها بقوله : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا الخ فقبلوها وأراهم من الآيات ما فيه مقنع لهم، رفع الجبل فوقهم كالظلة حتى ظنوا أنه واقع بهم، وطلب إليهم التمسك بالكتاب والعمل بما فيه بالجد والنشاط، كي يعدوا أنفسهم لتقوى الله ورضوانه، ثم كان منهم أن أعرضوا عن ذلك وانصرفوا عن طاعته، ولولا لطف الله بهم لاستحقوا العقاب في الدنيا وخسروا سعادة الآخرة وهي خير ثوابا وخير أملا، لكن وفقهم الله بعد ذلك فتابوا ورحمهم فقبل توبتهم.
الإيضاح
وإذ أخذنا ميثاقكم أي واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة وقبولهم ذلك.
ورفعنا فوقكم الطور وكانت هذه الآية بعد أخذ الميثاق لكي يأخذوا ما أوتوه من الكتاب بقوة واجتهاد، لأن رؤية ذلك مما يقوي الإيمان ويحرك الشعور والوجدان.
ثم بين الميثاق فقال :
خذوا ما آتيناكم بقوة أي وقلنا لهم خذوا الكتاب وهو التوراة بجد وعزيمة، ومواظبة على العمل بما فيه.
واذكروا ما فيه أي وادارسوه ولا تنسوا تدبر معانيه واعملوا بما فيه من الأحكام فإن العمل هو الذي يجعل العلم راسخا في النفس مستقرا عندها، كما أثر عن علي أنه قال : يهتف العلم بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل.
فحال التارك للشريعة المضيع لأحكامها أشبه بحال الجاحد المعاند لها، وهو جدير بأن يحشره الله يوم القيامة أعمى عن طريق الفلاح والسعادة حتى إذا لقي ربه قال : رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيرا ؟ قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى فالجاحد للشريعة والناسي لها المضيع لأحكامها، لا يكون لها أثر في نفوسهما لا ظاهرا ولا باطنا.
ومن ذلك تعلم أن الحجة قائمة على من ليس لهم حظ من القرآن إلا التغني بألفاظه وأفئدتهم هواء من عظاته، وأعمالهم لا تنطبق على ما جاء به، فما المقصد من الكتب الإلهية إلا العمل بما فيها لا تلاوتها باللسان وترتيلها بالأنغام، فإن ذلك نبذ لها، قال الغزالي : وما مثل ذلك إلا مثل ملك أرسل كتابا إلى أحد أمرائه، وأمره أن يبني له قصرا في ناحية من مملكته، فلم يكن حظ الكتاب منه إلا أن يقرأه كل يوم دون أن يبني القصر، أفلا يستحق هذا الأمير بعدئذ العقاب من الملك الذي أرسل به إليه ؟
ثم ذكر لهم فائدة ذكره فقال :
لعلكم تتقون أي ليعد نفوسكم لتقوى الله عز وجل : ذاك أن المواظبة على العمل تطبع في النفس سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية نقية من أدران الرذائل راضية مرضية عند ربها والعاقبة للتقوى .
المعنى الجملي
ذكر سبحانه في هاتين الآيتين جناية أخرى حدثت من أسلاف المخاطبين وقت التنزيل، ذاك أنه بعد أن أخذ الله عليهم المواثيق التي ذكرها بقوله : وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل لا تعبدون إلا الله وبالوالدين إحسانا الخ فقبلوها وأراهم من الآيات ما فيه مقنع لهم، رفع الجبل فوقهم كالظلة حتى ظنوا أنه واقع بهم، وطلب إليهم التمسك بالكتاب والعمل بما فيه بالجد والنشاط، كي يعدوا أنفسهم لتقوى الله ورضوانه، ثم كان منهم أن أعرضوا عن ذلك وانصرفوا عن طاعته، ولولا لطف الله بهم لاستحقوا العقاب في الدنيا وخسروا سعادة الآخرة وهي خير ثوابا وخير أملا، لكن وفقهم الله بعد ذلك فتابوا ورحمهم فقبل توبتهم.
تفسير المراغي
المراغي