ﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸ ﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇ ﰿ ﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ ﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞ

والحاصل: أن الصابئة قوم موحدون معتقدون تأثير النجوم، وأنها فعّالة «١».
بعض جرائم اليهود وعقابهم
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٦٣ الى ٦٦]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا ما فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٤) وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْناها نَكالاً لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)
الإعراب:
خُذُوا ما آتَيْناكُمْ فيه محذوف، تقديره: قلنا لهم: خذوا ما آتيناكم، وحذف القول كثير في كلامهم.
مِيثاقَكُمْ ولم يقل «مواثيقكم» لأنه أراد ميثاق كل واحد منكم مثل ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا [غافر ٤٠/ ٦٧] أي يخرج كل واحد منكم طفلا.
فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ.. لولا: حرف يمتنع له الشيء لوجود غيره، تقول: لولا زيد لأكرمتك، فيكون امتناع الإكرام وجود زيد. فضل: مبتدأ مرفوع، وخبره محذوف تقديره:
موجود أو كائن.
كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ أمر تكوين، لا أمر تكليف، والمراد به تكوّنهم قردة. وقردة:
خبر كان. وخاسئين: إما صفة لقردة، أو خبر بعد خبر، أو حال من الضمير في: كونوا.

(١) تفسير القرطبي: ١/ ٤٣٤- ٤٣٥

صفحة رقم 179

فَجَعَلْناها نَكالًا الضمير في الفعل يعود إما على المسخة أو يعود على القردة.
وكذلك «ها» في قوله لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها. ونكالا: مفعول به ثان.
أَتَتَّخِذُنا هُزُواً أي ذوي هزء، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه، ويجوز أن يكون التقدير: أتتخذنا مهزوءا بهم.
البلاغة:
خُذُوا فيه إيجاز بالحذف كما بينا، أي قلنا لهم: خذوا.
كُونُوا قِرَدَةً ليس الأمر على حقيقته، وإنما أريد به معنى الإهانة والتحقير لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها كناية عمن أتى قبلها أو بعدها من الخلائق.
المفردات اللغوية:
مِيثاقَكُمْ الميثاق: العهد المؤكد، ويراد به هنا: العهد بالعمل. بما في التوراة الطُّورَ الجبل المعروف في شمال فلسطين بِقُوَّةٍ بجد ونشاط وَاذْكُرُوا ما فِيهِ بالعمل به تَتَّقُونَ النار أو المعاصي تَوَلَّيْتُمْ أعرضتم.
اعْتَدَوْا تجاوزوا الحد السَّبْتِ اليوم المعروف، وقد نهاهم الله عن صيد السمك فيه، وهم أهل أيلة وهي القرية التي كانت حاضرة البحر. خاسِئِينَ بعيدين عن رحمة الله، وقد هلكوا بعد ثلاثة أيام.
فجعلناها نَكالًا أي تلك العقوبة عبرة تنكل من اعتبر بها، أي تمنعه من ارتكاب مثل ما عملوا. لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها أي الأمم التي في زمانها أو بعدها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ خص المتقون بالذكر، لأنهم المنتفعون بها بخلاف غيرهم. والمتقون: الذين اتقوا بأداء فرائض الله واجتناب معاصيه.
المناسبة:
كانت الآيات السابقة تذكيرا لبني إسرائيل بالنعم الجليلة، وأما هذه الآيات فهي تنديد بالمخالفات والمعاصي التي ارتكبوها، فإنهم نقضوا الميثاق أو العهد مع الله، وتجاوزوا النهي الإلهي في السبت، فأصبحوا كالقردة مبعدين عن رحمة الله والناس. وإذا كان هذا في بني إسرائيل الذين كانوا في عهد موسى عليه السّلام،

صفحة رقم 180

فأجدر بسلائلهم الذين كانوا في عصر تنزيل القرآن ألا يجحدوا نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم، خوفا من أن يحل بهم ما حل بأسلافهم.
التفسير والبيان:
واذكروا يا بني إسرائيل وقت أخذنا العهد على أسلافكم بالعمل بما في التوراة، فرفضوا حتى رفع الله فوقهم الطور تخويفا وإرهابا، وأمرهم أن يأخذوا بما فيها بجد ونشاط ومواظبة على العمل، واذكروا ما في التوراة واعملوا بما فيها من الأحكام، وتدبروا معانيها حتى تكونوا من المتقين، لأن العلم يرشد إلى العمل، والعمل يرسخ العلم في النفس، ويطبع فيها سجية المراقبة لله، وبها تصير تقية تتقي المعاصي، نقية من الرذائل، مرضية عند ربها، كما قال تعالى:
وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى [طه ٢٠/ ١٣٢].
فقبلتم إلى حين، ثم أعرضتم بعد ذلك عن الطاعة، فلولا رحمة الله ولطفه بكم وإمهاله إياكم، إذ لم يعجل عقوبتكم بما تستحقون، لكنتم من الهالكين الخاسرين سعادتي الدنيا والآخرة.
ولقد علمتم شأن آبائكم الذين تجاوزوا الحد بصيد السمك يوم السبت، وكان محرما فيه لقصره على العبادة، فإن موسى عليه السّلام حظر عليهم العمل في هذا اليوم، وفرض عليهم فيه طاعة ربهم، وأباح لهم العمل في بقية أيام الأسبوع.
وكان جزاؤهم أنهم أصبحوا في مرتبة الحيوان، يعيشون من دون عقل ووعي وتفكير، ويتخبطون في أهوائهم، كالقردة في نزواتها، والخنازير في شهواتها، يأتون المنكرات علانية، بعيدين عن الفضائل الإنسانية، حتى احتقرهم الناس، ولم يروهم أهلا للمعاشرة والمعاملة.
فمعنى صيرورتهم قردة خاسئين: تصييرهم مبعدين عن الخير أذلاء صاغرين.

صفحة رقم 181

قال مجاهد: لم يمسخوا قردة، ولم تمسخ صورهم، وإنما مسخت قلوبهم، فلا تقبل وعظا، ولا تعي زجرا. وهو مثل ضربه الله لهم، كما مثّلوا بالحمار يحمل أسفارا، في قوله تعالى: مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ، ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها، كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفاراً [الجمعة ٦٢/ ٥] «١».
ورأى جمهور المفسّرين: أن صورهم مسخت بمعصيتهم، فصارت صور القردة، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا، وهلك سائرهم.
والممسوخ لا ينسل ولا يأكل ولا يشرب ولا يعيش أكثر من ثلاثة أيام.
وكذلك يفعل الله بمن شاء كما يشاء، ويحوله كما يشاء «٢».
وللآية نظير آخر، هو قوله تعالى: وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أي الشيطان [المائدة ٥/ ٦٠].
قال ابن كثير: والصحيح أن المسخ معنوي صوري، والله تعالى أعلم «٣».
وعلى أي حال فإن الله تعالى عاقب بني إسرائيل بعقوبة المسخ، أيا كان نوعه وهو عقاب لكل فاسق خارج عن طاعة الله، وعبرة لينكل من يعلم بها، أي يمتنع من الاعتداء على حدود الله، وهو أيضا عظة للمتقين، لأن المتقي الحقيقي يتعظ بها ويبتعد عن حدود الله: تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوها [البقرة ٢/ ١٨٧] فأولى بكم أيها اليهود المعاصرون أن تتعظوا بما حل بأسلافكم.
فقه الحياة أو الأحكام:
دلت هذه الآيات على أمور ثلاثة: رفع الطور، والمسخ، وعظة العصاة.

(١) تفسير الطبري: ١/ ٢٦٣
(٢) المصدر السابق: ١/ ٢٦١، تفسير القرطبي: ١/ ٤٤٠- ٤٤٣
(٣) تفسير ابن كثير: ١/ ١٠٦- ١٠٧

صفحة رقم 182

المخالفين أوامر الله ونواهيه.
أما رفع جبل الطور فوق اليهود كالمظلة: فكان إنذارا وإرهابا وتخويفا، وهذه الآية تفسر معنى قوله تعالى: وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ [الأعراف ٧/ ١٧١] قال أبو عبيدة: المعنى زعزعناه فاستخرجناه من مكانه.
واختلف في الطور: فقيل عن ابن عباس: الطور: اسم للجبل الذي كلّم الله عليه موسى عليه السّلام، وأنزل عليه فيه التوراة دون غيره. وقال مجاهد وقتادة: أي جبل كان.
وسبب رفع الطور: أن موسى عليه السّلام لما جاء بني إسرائيل من عند الله بالألواح فيها التوراة، قال لهم: خذوها والتزموها، فقالوا: لا! إلا أن يكلمنا الله بها كما كلمك، فصعقوا ثم أحيوا، فقال لهم: خذوها، فقالوا: لا. فأمر الله الملائكة فاقتلعت جبلا من جبال فلسطين طوله فرسخ «١» في مثله، وكذلك كان عسكرهم، فجعل عليهم مثل الظّلة، وأتوا ببحر من خلفهم، ونار من قبل وجوههم، وقيل لهم: خذوها وعليكم الميثاق ألا تضيعوها، وإلا سقط عليكم الجبل. فسجدوا توبة لله، وأخذوا التوراة بالميثاق. قال الطبري عن بعض العلماء: لو أخذوها أول مرة لم يكن عليهم ميثاق «٢». وكان سجودهم على شقّ، لأنهم كانوا يرقبون الجبل خوفا، فلما رحمهم الله قالوا: لا سجدة أفضل من سجدة تقبّلها الله ورحم بها عباده، فجعلوا سجودهم على شق واحد.
قال ابن عطية: والذي لا يصح سواه أن الله تعالى اخترع وقت سجودهم الإيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كرها، وقلوبهم غير مطمئنة بذلك.

(١) الفرسخ: ٣ أميال أو ٥٥٤٤ م أو ١٢٠٠٠ خطوة.
(٢) تفسير الطبري: ١/ ٢٥٧

صفحة رقم 183

وروي عن مجاهد سبب آخر لرفع الطور قال: أمر موسى قومه أن يدخلوا الباب سجدا، ويقولوا: حطة، وطوطئ لهم الباب ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حنطة، فنتق فوقهم الجبل «١».
وأما المسخ: فرأى الجمهور أن الله تعالى مسخ المعتدين من اليهود بصيد السمك يوم السبت، وكان العمل فيه محرما من قبل موسى عليه السّلام، قال قتادة: صار الشبان قردة، والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نهوا- وهي الفرقة التي نهت اليهود عن المخالفة وجاهرت بالنهي واعتزلت- وهلك سائرهم.
وروي عن مجاهد في تفسير هذه الآية: أنه إنما مسخت قلوبهم فقط، وردّت أفهامهم كأفهام القردة.
وأما عظة المخالفين: فإن الله تعالى جعل عقوبة المسخ للعصاة الذين اعتدوا في السبت وصادوا السمك فيه بحيلة، وقد ذكرها الله تعالى في سورة [الأعراف ٧/ ١٦٣] وهي قوله سبحانه: وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كانَتْ حاضِرَةَ الْبَحْرِ، إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ، إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً، وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ، كَذلِكَ نَبْلُوهُمْ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ أي إنهم اتخذوا حواجز أو أحواضا أمام مدّ مياه البحر، فإذا رجعت المياه بالجزر، بقيت الأسماك محجوزة في الأحواض، فيأتون في صبيحة يوم الأحد ويأخذونها.
كذلك كانت عقوبة اليهود الذين امتنعوا من العمل بالتوراة، فنسوها وضيعوها، ولم يتدبروها ولم يحفظوا أوامرها ووعيدها، كانت عقوبتهم رفع جبل الطور فوقهم كالمظلة.
وهذا يدل على أن المقصود بالكتب السماوية العمل بمقتضاها، لا تلاوتها باللسان وترتيلها، فإن ذلك نبذ لها.

(١) المرجع والمكان السابق.

صفحة رقم 184

التفسير المنير

عرض الكتاب
المؤلف

وهبة بن مصطفى الزحيلي الدمشقي

الناشر دار الفكر المعاصر - دمشق
سنة النشر 1418
الطبعة الثانية
عدد الأجزاء 30
التصنيف التفسير
اللغة العربية