وكذلك ما ورد من الأخبار في هذا (١).
٦٣ - قوله تعالى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ الآية الأخذ يستعمل في معان كثيرة، ويتصرف على ضروب (٢)، منها: أن يدل على العقاب كقوله: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى [هود: ١٠٢]، وقوله: فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ [الأنعام: ٤٢]، وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ [هود: ٦٧]، وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ (٣) [الأعراف: ١٦٥]، فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [القمر: ٤٢].
ومنها: أن يستعمل للمقاربة، تقول العرب: أخذ يقول كذا، كما قالوا: جعل يقول، وطفق يقول.
ومنها: أن يتلقى بما يتلقى به القسم، كقوله: وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ [آل عمران: ١٨٧]، ألا ترى أنه قال: لَتُبَيِّنُنَّهُ فأخذ (٤)
وذكر أبو حيان في تفسير هذه الآية أقوالا كثيرة ثم قال: (وظاهر الآية عموم نفي الخوف والحزن عنهم، لكن يخص بما بعد الدنيا..) "البحر" ١/ ١٧٠.
(٢) الكلام عن (الأخذ) نقله الواحدي عن أبي علي الفارسي من كتاب "الحجة" ٢/ ٧٢ انظر مادة (أخذ) في "تهذيب اللغة" ١/ ١٢٩، "الصحاح" ٢/ ٥٥٩، "مقاييس اللغة" ١/ ٦٨، و (الغريبين) ١/ ٢٣، و"مفردات الراغب" ص ١٢، و"إصلاح الوجوه والنظائر" ص ٢٠، و"نزهة الأعين النواظر" ص ١٣٣.
(٣) (ج): (فأخذنا) تصحيف.
(٤) في (ب)، (ج): (واخد).
الميثاق هاهنا بمعنى الاستحلاف وتوكيد العهد، وكذلك في هذه الآية.
ومثل أخذ في معنى العقاب: آخذ (١)، قال الله تعالى: وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا [فاطر: ٤٥]، وقال: لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا [البقرة: ٢٨٦]، وقال: لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ [البقرة: ٢٢٥].
ويستعمل من الأخذ التفعيل والاستفعال، قالوا: رجل مُؤَخَّذٌ عن امرأته (٢)، وقال الفقهاء في الرجل المؤخذ عن امرأته: يؤجل كما يؤجل العنين (٣).
وأما اسْتَفْعل فقال الأصمعي (٤): الاستئخاذ: أشد الرمد، قال الهذلى (٥):
| يَرْمِي الغُيُوبَ (٦) بِعَيْنيه ومَطْرِفُه | مُغْضٍ كما كَسَفَ المُسْتَأْخِذَ الرَّمَدُ (٧) |
(٢) قال أبو علي: (وأما (فعَّل) فقالوا: رجل مُؤَخذٌ عن امرأته) "الحجة" ٢/ ٧٤، انظر: "تهذيب اللغة" (أخذ) ٧/ ٥٢٦، "الغريبين" ١/ ٢٤.
(٣) ذكره أبو علي عن أبي حنيفة رحمه الله. "الحجة" ٢/ ٧٤، انظر: "بدائع الصنائع" ٢/ ٣٢٢ - ٣٢٣، و"المغني" ٧/ ٦٠٢.
(٤) في "الحجة" (فقال الأصمعي فيما روى عنه الزيادي..) "الحجة" ٢/ ٧٤، وانظر "تهذيب اللغة" (أخذ) ١/ ١٢٩.
(٥) هو أبو ذؤيب الهذلي.
(٦) في (ج): (العيوب).
(٧) في هذا البيت يصف حمارًا وحشيًا، وقوله: (يرمى الغيوب) أي: ينظر ما غاب عنه خشية الصائد يرميه بطرفه حذرا، و (المغضي): الذي كف من بصره وهو مع ذلك ينظر، و (كسف): نكس رأسه لما أخذ الرمد فيه. انظر "شرح أشعار الهذليين" ١/ ٥٨، و"جمهرة اللغة" ٣/ ٢٣٧، و"الحجة" ٢/ ٧٥، و"المخصص" ١/ ١١٠، "تهذيب =
أي: عين المُسْتأخِذ فحذف المضاف، والرمد الفاعل (١). وهذه الآية خطاب لليهود وإن كان آباؤهم أخذ الميثاق عليهم. روى أبو صالح، عن ابن عباس أنه قال. هما ميثاقان (٢): الأول (٣): حين أخرجهم من صلب آدم وأشهدهم على أنفسهم. والثاني: أن كل نبي بعث إلى قومه أخذ عليهم الميثاق بالطاعة لله والإيمان بمحمد - ﷺ - (٤).
وقوله تعالى: وَرَفَعنَا فَوقَكُمُ الطُّورَ. الواو وَرَفَعنَا واو الحال، المعنى إذ أخذنا ميثاقكم في حال رفع الطور (٥)، ويضمر معه قد لتصلح الحال كما ذكرنا في قوله: وَكُنتُم أَموَاتًا (٦) [البقرة: ٢٨]. ونذكر كيف أخذ الميثاق في حال رفع الطور، وأما الطور فقيل: إنه الجبل (٧)
(١) هذا آخر ما نقله عن "الحجة" ٢/ ٧٥.
(٢) في (ج): (ميتاق).
(٣) في (ب): (أول).
(٤) ذكره أبو الليث عن ابن عباس ١/ ٣٧٦. وذكر ابن جرير أن المراد به الميثاق الذي أخذه منهم في قوله: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا [البقرة: ٨٣ - ٨٥]، وأخرجه بسنده عن ابن زيد. الطبري ٢/ ١٥٦، وذكر الزجاج قولين فيه: الأول: حين أخرج الناس كالذر ورجحه، والثاني: ما أخذه على الرسل ومن تبعهم. "معاني القرآن" ١/ ١١٩.
(٥) ذكر أبو حيان: أن هذه الواو تحتمل أن تكون للعطف إذا كان أخذ الميثاق متقدمًا، وإن كان أخذ الميثاق في حال رفع الطور فهي للحال. "البحر" ١/ ٢٤٣.
(٦) وقد ذكر هناك القاعدة عند الجمهور: وهي أن الجملة الفعلية الماضوية، إذا وقعت حالا فلا بد من تقدير (قد) وقيل: لا يلزم ذلك. انظر ص ٦٦٧.
(٧) في (ب): (جبل).
بالسريانية (١)، فإن صح ذلك فهو وفاق وقع (٢) بين لغتهم ولغة العرب، لأنه لا يجوز أن يوجد في القرآن إلا ما تكلمت به العرب (٣)، وهذا مما تكلم به العرب، قال العجاج:
دَانَى جَنَاحَيْهِ من الطُّورِ فَمَرْ (٤).
وقيل: إنه اسم جبل بعينه، وهو جبل بالشام (٥)، قال ذو الرمة:
| أَعاريبُ طُورِيُّونَ عن كُلِّ بلدة | يَحيدونَ (٦) عنها مِنْ حِذَارِ المَقادِرِ (٧) |
(٢) (وقع) ساقط من (ب).
(٣) قال القرطبي: (لا خلاف بين الأئمة أنه ليس في القرآن كلام مركب على أساليب غير العرب، وأن فيه أسماء أعلاماً.. كإسرائيل ونوح ولوط، واخلفوا هل وقع فيه ألفاظ غير أعلام مفردة من غير كلام العرب) ١/ ٦٨. فذهب الطبري في "تفسيره" إلى أن ذلك غير موجود، وكذا الثعلبي ١/ ٨٠ أ، وذهب ابن عطية إلى أنه موجود لكن العرب استعملتها قبل وغيرت فيها، فدخلت في لغتها.
(٤) الرجز من قصيدة يذكر فيها مآثر عمر بن عبد الله بن معمر التميمي وبعده:
تَقَضِّيَ البازي إذا البَازِي كَسَرْ
ضم جناحيه للانقضاض، و (تقضي): أصلها (تقضض) ثلاث ضادات فقلبت الثالثة ياء طلبا للخفة، و (البازي): الشديد من الصقور ورد البيت في "ديوان العجاج" ص ٢٨، "تفسير الطبري" ١/ ٣٢٤، "تهذيب اللغة" (طرأ) ٣/ ٢١٧٣، انظر "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٣٠، "الكشاف" ٤/ ٤٢٦، "اللسان" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، "البحر المحيط" ١/ ٢٣٩، "الدر المصون" ١/ ٤٠٩.
(٥) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٢٥، "تفسير الماوردي" ١/ ٣٥٣، "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٣٠، ١٥/ ٥٠٢.
(٦) في (ب): (يحيدرون).
(٧) ورد البيت في "التهذيب" (طور) ٣/ ٢٢٢٩، "اللسان" (طرأ) ٥/ ٢٦٤٩، و (طور) ٥/ ٢٧١٨، "الخزانة" ٧/ ٣٥٥، و"ديوان ذي الرمة" ٣/ ١٦٩٨، وفي بعضها (قرية) بدل (بلدة).
طوريون أي: وحشيون، يحيدون عن القرى حذار الوباء والتلف، كأنهم نسبوا إلى الطور وهو جبل بالشام.
وقال الفراء في قوله تعالى: وَالطُّورِ [الطور: ١] قال: هو الجبل الذي بمدين، كلم الله عليه موسى (١).
قال المفسرون: إن موسى لما أتاهم بالتوراة فرأوها وما فيها من التغليظ كبر ذلك عليهم وأبوا أن يقبلوا ذلك، فأمر الله جبلًا من جبال فلسطين فانقلع من أصله حتى قام على رؤوسهم مثل الظلة، وكان العسكر فرسخا في فرسخ والجبل كذلك، وأوحى الله إلى موسى إن قبلوا التوراة وإلا رضختهم بهذا الجبل، فلما رأوا ذلك وأن لا مهرب لهم، قبلوا ما فيها وسجدوا من الفزع، وجعلوا يلاحظون الجبل وهم سجود، فمن أجل ذلك يسجد اليهود على أنصاف وجوههم، فهذا معنى أخذ الميثاق في حال رفع الجبل فوقهم (٢)، لأن في هذه الحالة قيل لهم: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [وكان فيما آتاهم الله تعالى الإيمان بمحمد (٣) - ﷺ -.
وقوله: خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ [(٤) أي: وقلنا لكم خذوا (٥)،
(٢) "تفسير الثعلبي" ١/ ٨٠ ب، "تفسير أبي الليث" ١/ ٣٧٧، وانظر. "الطبري" ١/ ٣٢٤، "ابن عطية" ١/ ٢٤٨، "القرطبي" ١/ ٣٧٢، "البحر المحيط" ١/ ٢٤٣.
(٣) في (ب): (لمحمد).
(٤) ما بين المعقوفين ساقط من (ج).
(٥) نسب الطبري هذا القول لبعض نحوي أهل البصرة، قال: وقال بعض نحوي أهل الكوفة: أخذ الميثاق قول، فلا حاجة إلى إضمار قول، ورجَّح هذا في "تفسيره" ١/ ٣٢٦، وانظر: "البحر المحيط" ١/ ٢٤٣.
وتأويل (١)] خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ اعملوا بما أمرتم فيه وانتهوا عما نهيتم عنه.
وقوله: بِقُوَّةٍ قال ابن عباس والحسن وقتادة: بجد ومواظبة على طاعة الله واجتهاد (٢)، وتأويله: خذوا ما آتيناكم بعزيمة على طاعة الله واتباع رسله.
وقال الزجاج: أي بقوة قلب ويقين ينتفي عنده الريب (٣) والشك، لما كان (٤) لكم من عظيم الآيات، وأصل القوة: الشدة، ومنه قوة الحبل، لأنها تقوي الحبل وتشد فتله (٥).
وقوله تعالى: وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ الكناية تعود إلى ما في قوله: مَا آتَيْنَاكُمْ (٦). والمعنى: احفظوا ما في التوراة من الحلال والحرام، واعملوا بما فيه (٧)، وقيل: اذكروا ما فيه من الثواب والعقاب لعلكم تتقون (٨)، ويجوز أن ترجع الكناية إلى الميثاق، ويكون المعنى على حذف
(٢) ذكر الطبري في "تفسيره" نحوه عن مجاهد، وأبي العالية، وقتادة، وابن زيد ١/ ٣٢٦، وكذا عند "ابن أبي حاتم" ١/ ٣٩٨، وذكره الماوردي عن ابن عباس، وقتادة والسدي "تفسير الماوردي" ١/ ٣٥٤، وكذا القرطبي في "تفسيره" ١/ ٣٧٢، وانظر: "تفسير أبي الليث" ١/ ٣٧٧، "تفسير الثعلبي" ١/ ٨٠ ب.
(٣) في (ب): (الرتب).
(٤) في "معاني القرآن" (بان) ١/ ١٢٠.
(٥) في "تهذيب اللغة": (القوة) الخُصْلة الواحدة من قوى الحبل، وقيل: هي الطاقة الواحدة من طاقات الحبل. (قوى) ٣/ ٣٠٧٠.
(٦) انظر: "تفسير ابن عطية" ١/ ٣٣٢، "البحر المحيط" ١/ ٢٤٤، "الدر المصون" ١/ ٤٠٩.
(٧) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٢٦، "معاني القرآن" للزجاج ١/ ١٢٠، "تفسير الثعلبي" ١/ ٨٠ ب.
(٨) انظر: "تفسير الطبري" ١/ ٣٢٦، و"تفسير أبي الليث"١/ ٣٧٧.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي