قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ أي ما حالها، كان حقه أن يقول أي بقرة، أو كيف هي لأن السؤال بما يكون عن الجنس غالبا لكنهم لما رأوا ظهور القتل بذبح أي فرد من جنس البقرة مستبعدا وزعموا أنها بائنة عن سائر البقرات بونا بعيدا حتى يكون كأن جنس آخر أجروه مجرى ما لا يعرفون حقيقته.
قال موسى إنه أي الشأن يقول يعني الله تعالى إنها أي البقرة المأمور بها.
فإن قيل عود الضمير إليها تدل على أن المراد من أول الأمر كانت بقرة معينة ويلزمه تأخير البيان عن وقت الخطاب ؟ قلت : تأخير البيان عن وقت الخطاب جائز، وإنما لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة، وأيضا عود الضمير إليها لا يدل على أن المراد كان من أول الأمر ذلك، كيف والمطلقة تدل على الإطلاق ولا دليل هناك على التقييد ومن ثم قال رسول الله صلى الله عليه والسلام :«لو ذبحوا أي بقرة أجزأتهم » لكن يدل على جواز تقييد المطلق المأمور به بعد ما كان جاريا على إطلاق ويكون التقييد في حكم النسخ إن كان متراخيا كما في ما نحن فيه ويجوز النسخ قبل إتيان المأمور به كما في خمسين صلاة وجبت ليلة الإسراء ويكون تخصيصا إن لم يكن متراخيا ما في قوله تعالى : فصيام ثلاثة أيام ١ في قراءة الجمهور في كفارة اليمين، و ثلاثة أيام متتابعات في قراءة ابن مسعود رضي الله عنه، ولذلك ذهب أبو حنيفة إلى أن المطلق لا يجوز حمله على المقيد إن كانت في حادثتين كما في قوله تعالى : تحرير رقبة ٢ في كفارة الظهار و رقبة مؤمنة ٣ في كفارة القتل وكذا إن كانا في حادثة واحدة وكان الإطلاق والتقييد في السبب نحو قوله صلى الله عليه وسلم «أدوا عن كل حر وعبد »٤ وفي حديث آخر :«أدوا عن كل حر وعبد من المسلمين »٥ فعندنا يجب صدقة الفطر عن عبد مسلم بالحديثين جميعا وعن عبد كافر بالحديث الأول فقط لكن إن كانا في الحكم والحادثة الواحدة يحمل المطلق على المقيد البتة إذ لا سبيل إلى الجمع بينهما إلا به والمطلق يحتمل التقيد ولذا قلنا بوجوب التتابع في صيام الكفارة في اليمين، روى ابن جرير عن أبي هريرة أنه لما نزلت : ولله على الناس حج البيت قال عكاشة بن محصن أكل عام فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أعاد ثلاثا فقال :«لا، ولو قلت نعم لوجبت ولو وجبت لما استطعتم »٦ وهذا يدل على أن المطلق يحتمل التقييد بقرة لا فارض مسنة لا تلد يقال فرضت البقرة فروضا من الفرض بمعنى القطع كأنها انقطعت سنها ولا بكر صغيرة لم تلد قط، وتركيب البكر للأولية ومنه الباكورة وحذفت الهاء منهما للاختصاص بالإناث كالحائض عوان أي نصف، قال الأخفش : العوان التي نتجت مرارا يقال عونت المرأة إذا زادت على الثلاثين بين ذلك أي ما ذكر من الفارض والبكر فإنه يضاف إلى متعدد فافعلوا ما تؤمرون أي ما تؤمرون بمعنى تؤمرون به أو أمركم أي مأموركم، وفيه حث على المسارعة في الامتثال وتوبيخ على تكرار السؤال.
٢ سورة المجادلة، الآية: ٣.
٣ سورة النساء، الآية: ٩٢.
٤ رواه أحمد و الدارقطني والضياء. انظر كنز العمال ٢٤١٢١.
٥ أخرجه الحاكم وفي أوله من زكاة الفطر فرض على... قال عنه صحيح وأقره الذهبي.
٦ أخرجه مسلم في كتاب: الحج، باب: فرض الحج مرة في العمر١٣٣٧ وأخرجه النسائي في كاب: مناسك الحج، باب: وجوب الحج، ٢٦١٠.
التفسير المظهري
المظهري