ﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫﯬﯭﯮﯯﯰ

قالوا مخاطبين نبيهم : يا موسى ادع لنا ربك [ البقرة : آية ٦٨ ] أي : اسأل لنا ربك يبين لنا ما هي ، المراد بقوله : ما هي هنا يعنون : ما سنها ؛ لأن السؤال يوضحه الجواب، حيث قال لهم نبي الله موسى : قال إنه يقول إنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان إنها أي : البقرة التي سألتم عن سنها بقرة لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك ، عوان : خبر مبتدأ محذوف. والمعنى : لا فارض ولا بكر، هي عوان بين ذلك. الفارض : المسنة التي طعنت في السن، وكل طاعن في السن تسميه العرب ( فارضا )، وكل قديم تسميه ( فارضا )، ومن أمثلته في كلام العرب قول خفاف بن ندبة السلمي يهجو العباس بن مرداس، وقيل : القائل علقمة بن عوف :
لعمري لقد أعطيت جارك فارضا*** تساق إليه ما تقوم على رجل
ولم تعطه بكرا فيرضى سمينه*** فكيف تجازى بالمودة والفضل
ومن إطلاق العرب الفارض على ما تقادم عهده قول الراجز :
يا رب ذي ضغن علي فارض*** له قروء كقروء الحائض
يعني : بالضغن الفارض : أنه تقادم عهده وطالت سنه. قال بعض العلماء : ومنه قول الآخر :
شيب أصداغي فرأسي أبيض*** محافل فيها رجال فرض
قال : أي طاعنون في السن، والأظهر أن المراد بقول هذا الراجز " فرض " أي : ضخام الأبدان ؛ لأن العرب تطلق الفارض أيضا على الضخم عظيم البدن.
وقوله : ولا بكر البكر : هي التي لم يفتحلها الفحل لصغرها.
وقال بعض العلماء : البكر : التي ولدت مرة، ولكن المراد هنا التي لم يفتحلها الفحل لصغر سنها، والمعنى : ليست هذه البقرة التي أمرتم بذبحها بطاعنة في السن فارض، ولا بصغيرة جدا لم يفتحلها الفحل، بل هي عوان بين ذلك العوان : النصف، أي : لا طاعنة في السن ولا بكر، أي : لا صغيرة جدا بل هي : عوان بين ذلك والعوان : النصف، وأصل النصف : التي انتصف عمرها، وهي وسط في السن، ليست بصغيرة جدا، ولا كبيرة جدا، وكل متوسطة في السن نصف تسميها العرب ( عوانا )، وهذا معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الطرماح قال :
حصان مواضع النقب الأعالي*** نواعم بين أبكار وعون
يعني بالأبكار جمع بكر، الصغيرة التي لم تتزوج. والعون : جمع عوان، وهي النصف، والنصف التي انتصف عمرها، فهي في وسط سنها، ليست بكبيرة جدا، ولا بصغيرة جدا، ومنه قول كعب بن زهير :
شد النهار ذراعا عيطل نصف*** قامت فجاوبها نكد مثاكيل
وفسر بعض الأدباء في شعره ( النصف ) بالتي انتصف عمرها، حيث قال :
وإن أتوك وقالوا إنها نصف*** فإن أطيب نصفيها الذي ذهبا
وقوله : بين ذلك فيه سؤال معروف وهو أن ( ذلك ) إشارة إلى مفرد مذكر، كما قال في الخلاصة :
بذا لمفرد مذكر أشر***..............................
و ( بين ) لا تضاف للمفرد إلا إذا أريدت أجزاؤه.
والجواب : أن ذلك وإن كان لفظه مفردا فمعناه مثنى ؛ لأن الإشارة راجعة إلى ما ذكر من الفارض والبكر، أي بين ذلك المذكور من فارض وبكر ؛ لأن العوان أصغر من الفارض وأكبر من البكر، ونظير هذا من كلام العرب قول ابن الزبعرى كما تقدم :
إن للشر وللخير مدى*** وكلا ذلك وجه وقبل
أي : وكلا ذلك المذكور من شر وخير ؛ لأن ( كلا ) لا تضاف إلا لمثنى لفظا أو معنى، وهذا معنى قوله : عوان بين ذلك فافعلوا ما تؤمرون الأصل ( ما تؤمرون به ) فحذف الباء، فوصل الفعل إلى الضمير فحذف.
وهذا الذي يؤمرون به هو ذبح البقرة ليضربوا القتيل بجزء منها فيحيا.
وهذا معنى قوله : فافعلوا ما تؤمرون فزادوا تعنتا وسؤالا وتشديدا فشدد الله عليهم أيضا.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير